الشنقيطي
233
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أنفسهم ، ولم يبين تفصيل ذلك هنا ولكنه فصله في موضع آخر وهو قوله : وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ [ آل عمران : 152 ] . وهذا هو الظاهر في معنى الآية ؛ لأن خير ما يبين به القرآن القرآن . وأما على القول الآخر فلا بيان بالآية ، وهو أن معنى قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ « أنهم خيروا يوم بدر بين قتل أسارى بدر ، وبين أسرهم وأخذ الفداء على أن يستشهد منهم في العام القابل قدر الأسارى ، فاختاروا الفداء على أن يستشهد منهم في العام القابل سبعون قدر أسارى بدر » ، كما رواه الإمام أحمد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب « 1 » ، وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله : والمسلمون خيروا بين الفدا * وقدرهم في قابل يستشهدا وبين قتلهم فمالوا للفدا * لأنه على القتال عضدا وأنه أدى إلى الشهادة * وهي قصارى الفوز والسعادة ونظمه هذا للمغازي جل اعتماده فيه على عيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري ، قال في مقدمته : أرجوزة على عيون الأثر * جل اعتماد نظمها في السير وذكر شارحه أن الألف في قوله يستشهدا مبدلة من نون التوكيد الخفيفة وأنها في البيت كقوله : ربما أوفيت في علم * ترفعن ثوبي شمالات وعلى هذا القول : فالمعنى قل هو من عند أنفسكم حيث اخترتم الفداء واستشهاد قدر الأسارى منكم . قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً [ 169 ] الآية . نهى اللّه تبارك وتعالى في هذه الآية عن ظن الموت بالشهداء ، وصرح بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، وأنهم فرحون بما آتاهم اللّه من فضله ، يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون . ولم يبين هنا هل حياتهم هذه في البرزخ يدرك أهل الدنيا حقيقتها أو لا ؟ ولكنه بين في سورة البقرة أنهم لا يدركونها بقوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 1 / 30 ، 32 ، وابن أبي حاتم في التفسير 1 / 425 . وأخرجه عن علي بن أبي طالب : الترمذي في السير حديث 1567 .