الشنقيطي

213

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهذا الإشكال ساقط ؛ لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط دون المعطوف عليه ، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) [ الفجر : 22 ] فقوله صفا حال من المعطوف وهو الملك ، دون المعطوف عليه وهو لفظة ربك . وقوله تعالى : وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا [ الحشر : 10 ] الآية . فجملة يقولون حال من واو الفاعل في قوله الذين جاءوا ، وهو معطوف على قوله : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ [ الحشر : 8 ] وقوله : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [ الحشر : 9 ] فهو حال من المعطوف دون المعطوف عليه كما بيّنه ابن كثير وغيره . الجهة الثانية : من جهات الإشكال المذكور هي ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه : واحتج له بعض أهل اللغة ، فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين : آمنا ، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال ، وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه ؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال ؛ ولو جاز ذلك لجاز أن يقال عبد اللّه راكبا يعني : أقبل عبد اللّه راكبا ، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله عبد اللّه يتكلم يصلح بين الناس ، فكان يصلح حالا له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال : أنشدنا أبو العباس ثعلب : أرسلت فيها قطما لكالكا * يقصر يمشي ويطول باركا أي يقصر ماشيا ، وهذا الإشكال أيضا ساقط ؛ لأن الفعل العامل في الحال المذكورة غير مضمر ؛ لأنه مذكور في قوله يعلم ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه ، كما بينه العلامة الشوكاني في تفسيره وهو واضح . الجهة الثالثة : من جهات الإشكال المذكورة هي : أن المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها ووصف لصاحبها ، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو يعلم بهذه الحال التي هي يقولون آمنا ؛ إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم آمنا به ؛ لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم آمنا به لا يعلمون تأويله وهو باطل ، وهذا الإشكال قوي وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة يقولون على القول بالعطف . التنبيه الثاني : إذا كانت جملة يقولون : لا يصح أن تكون حالا لما ذكرنا فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة ؟ الجواب واللّه تعالى أعلم أنها معطوفة بحرف محذوف والعطف بالحرف المحذوف ، أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية . والتحقيق جوازه ، وأنه ليس مختصا بضرورة الشعر كما زعمه بعض علماء العربية ، والدليل على جوازه وقوعه في القرآن ، وفي كلام العرب . فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) [ الغاشية : 8 ] الآية . فإنه معطوف بلا شك على قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ