الشنقيطي
212
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب ، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع . انتهى منه بلفظه . قال مقيده - عفا اللّه عنه - يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم في العلم هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم ويقولون فيما لم يقفوا على علم حقيقته من كلام اللّه جل وعلا : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ آل عمران : 7 ] بخلاف غير الراسخين فإنهم يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وهذا ظاهر . وممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره الكشاف . واللّه تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم . وقال بعض العلماء : والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة ، جعلوا معنى التأويل التفسير وفهم المعنى كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم « اللهم علمه التأويل » « 1 » أي : التفسير وفهم معاني القرآن ، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه . والذين قالوا هي استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يؤول إليه الأمر وذلك لا يعلمه إلا اللّه ، وهو تفصيل جيد ولكنه يشكل عليه أمران : الأول قول ابن عباس رضي اللّه عنهما : « التفسير على أربعة أنحاء : تفسير : لا يعذر أحد في فهمه ، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا اللّه » . فهذا تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا اللّه بمعنى التفسير لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر . وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور . الثاني : أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا اللّه إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب . فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل . تنبيهان الأول : اعلم أنه على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات : الأولى أنها حال من المعطوف وهو الراسخون ، دون المعطوف عليه وهو لفظ الجلالة . والمعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معا كقولك : جاء زيد وعمرو راكبين . وقوله تعالى : وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ [ إبراهيم : 33 ] .
--> ( 1 ) سبق تخريجه .