الشنقيطي
211
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الراسخون . ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه ا ه من الروضة بلفظه . ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة ، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئا وأثبته لنفسه ، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [ النمل : 65 ] وقوله : لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ [ الأعراف : 187 ] . وقوله : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] . فالمطابق لذلك أن يكون قوله : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 7 ] معناه : أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي وقال : لو كانت الواو في قوله : وَالرَّاسِخُونَ للنسق لم يكن لقوله : كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا [ آل عمران : 7 ] فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله : إِلَّا اللَّهُ وأن قوله : وَالرَّاسِخُونَ ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا . وممن قال بذلك عمر ، وابن عباس ، وعائشة ، وعروة بن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن مسعود ، وأبي بن كعب ، نقله عنهم القرطبي « 1 » وغيره ونقله ابن جرير عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس « 2 » وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد . وقال أبو نهيك الأسدي : إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم آمنا به كل من عند ربنا ، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضا عن ابن عباس « 3 » وبه قال مجاهد والربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم . وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف قول الشاعر : الريح تبكي شجوها * والبرق يلمع في الغمامة فيحتمل أن يكون البرق مبتدأ والخبر يلمع كالتأويل الأول ، فيكون مقطوعا مما قبله ، ويحتمل أن يكون معطوفا على الريح ، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني أي : لامعا . واحتج القائلون بأن الواو عاطفة بأن اللّه سبحانه وتعالى مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم بذلك وهم جهال . قال القرطبي : قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمرو : هذا القول هو الصحيح فإن
--> ( 1 ) الجامع لأحكام القرآن 4 / 16 . ( 2 ) ابن جرير الطبري جامع البيان 3 / 122 . ( 3 ) أخرجه عن ابن عباس : ابن جرير الطبري في جامع البيان 3 / 122 .