الشنقيطي

207

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قال مقيده - عفا اللّه عنه - وفيما نقلنا الدلالة الواضحة على أن الإشهاد والكتابة مندوب إليهما لا فرضان واجبان كما قاله ابن حرير « 1 » وغيره ، ولم يبين اللّه تعالى في هذه الآية أعني : قوله جلا وعلا وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [ البقرة : 282 ] اشتراط العدالة في الشهود ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ [ البقرة : 282 ] وقوله : وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ [ الطلاق : 2 ] . وقد تقرر في الأصول أن المطلق يحمل على المقيد كما بيناه في غير هذا الموضع . قوله تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ 286 ] . لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا ؟ وأشار إلى أنه أجابه بقوله في الخطأ : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ [ الأحزاب : 5 ] الآية . وأشار إلى أنه اجابه في النسيان بقوله : وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 68 ) [ الأنعام : 68 ] فإنه ظاهر في أنه قبل الذكرى لا إثم عليه في ذلك ولا يقدح في هذا أن آية وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ مكية وآية لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا مدنية إذ لا مانع من بيان المدني بالمكي كعكسه . وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما قرأ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا قال اللّه تعالى نعم . قوله تعالى : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا [ 286 ] . لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا ؟ ولم يبين الإصر الذي كان محمولا على من قبلنا ، وبين أنه أجاب دعاءهم هذا في مواضع أخر كقوله : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [ الأعراف : 157 ] وقوله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [ البقرة : 286 ] وقوله : وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [ الحج : 78 ] وقوله : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ [ البقرة : 185 ] الآية . إلى غير ذلك من الآيات . وأشار إلى بعض الإصر الذي حمل على من قبلنا بقوله : فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 54 ] ؛ لأن اشتراط قتل النفس في قبول التوبة من أعظم الإصر ، والإصر الثقل في التكليف ومنه قول النابغة : يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم * والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : مسلم في الإيمان حديث 199 و 200 .