الشنقيطي
200
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
عبادة بن الصّامت فقام فقال إنّي سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ينهى عن بيع الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة والبرّ بالبرّ والشّعير بالشّعير والتّمر بالتّمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى . فردّ النّاس ما أخذوا ، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدّثون عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه ، فقام عبادة بن الصّامت فأعاد القصّة ثم قال لنحدثّنّ بما سمعنا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وإن كره معاوية ، أو قال وإن رغم ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء . قال حمّاد هذا أو نحوه ا ه . هذا لفظ مسلم في صحيحه « 1 » وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن الصناعة الواقعة في الذهب أو الفضة لا أثر لها ، ولا تبيح المفاضلة بقدر قيمة الصناعة كما ذكرنا . وهذا هو مذهب الحق الذي لا شك فيه . وأجاز مالك بن أنس رحمه اللّه تعالى للمسافر أن يعطي دار الضرب نقدا وأجرة صياغته ويأخذ عنهما حليا قدر وزن النقد بدون الأجرة ؛ لضرورة السفر كما أشار إليه خليل بن إسحاق في مختصره بقوله : بخلاف تبر يعطيه المسافر وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته . قال مقيده - عفا اللّه عنه - الظاهر من نصوص السنة الصحيحة أن هذا لا يجوز ؛ لضرورة السفر كما استظهر عدم جوازه ابن رشد ، وإليه الإشارة بقول صاحب المختصر : والأظهر خلافه يعني : ولو اشتدت الحاجة إليه إلا لضرر يبيح الميتة ، كما قرره شراح المختصر . الفرع الخامس : اختلف الناس في الأوراق المتعامل بها هل يمنع الربا بينها وبين النقدين نظرا إلى أنها سند ، وأن المبيع الفضة التي هي سند بها فيمنع بيعها بالفضة ولو يدا بيد مثلا بمثل ، ويمنع بيعها بالذهب أيضا ولو يدا بيد ؛ لأنه صرف ذهب موجود أو فضة موجودة بفضة غائبة ، وإنما الموجود سند بها فقط فيمنع فيها لعدم المناجزة ؛ بسبب عدم حضور أحد النقدين أو لا يمنع فيها شيء من ذلك ؛ نظرا إلى أنها بمثابة عروض التجارة فذهب كثير من المتأخرين إلى أنها كعروض التجارة ، فيجوز الفضل والنساء بينها وبين الفضة والذهب وممن أفتى بأنها كعروض التجارة العالم المشهور عليش المصري صاحب النوازل ، وشرح مختصر خليل ، وتبعه في فتواه بذلك كثير من متأخري علماء المالكية . قال مقيده - عفا اللّه عنه - الذي يظهر لي - واللّه تعالى أعلم - أنها ليست كعروض التجارة ، وأنها سند بفضة وأن المبيع الفضة التي هي سند بها . ومن قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك ، وعليه فلا يجوز بيعها بذهب ولا فضة ولو يدا بيد ؛ لعدم المناجزة بسبب غيبة
--> ( 1 ) كتاب المساقاة حديث 80 .