الشنقيطي
201
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الفضة المدفوع سندها ؛ لأنها ليست متمولة ولا منفعة في ذاتها أصلا . فإن قيل لا فرق بين الأوراق وبين فلوس الحديد ؛ لأن كلّا منهما ليس متمولا في ذاته مع أنه رائج بحسب ما جعله له السلطان من المعاملة فالجواب من ثلاثة أوجه : الأول : أنا إذا حققنا أن الفلوس الحديدية الحالية لا منفعة فيها أصلا ، وأن حقيقتها سند بفضة ، فما المانع من أن يمنع فيها الربا مع النقد ، والنصوص صريحة في منعه بين النقدين ، وليس هناك إجماع يمنع إجراء النصوص على ظواهرها بل مذهب مالك أن فلوس الحديد لا تجوز بأحد النقدين نسيئة فسلم الدراهم في الفلوس كالعكس ممنوع عندهم . وما ورد عن بعض العلماء مما يدل على أنه لا ربا بين النقدين وبين فلوس الحديد ، فإنه محمول على أن ذلك الحديد الذي منه تلك الفلوس فيه منافع الحديد المعروفة المشار إليها بقوله تعالى : وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ [ الحديد : 25 ] فلو جمعت تلك الفلوس وجعلت في النار لعمل منها ما يعمل من الحديد من الأشياء المنتفع بها ، ولو كانت كفلوسنا الحالية على تسليم أنها لا منفعة فيها أصلا ، لما قالوا بالجواز : لأن ما هو سند لا شك أن المبيع فيه ما هو سند به لا نفس السند . ولذا لم يختلف الصدر الأول في أن المبيع في بيع الصكاك الذي ذكره مسلم في الصحيح « 1 » وغيره أنه الرزق المكتوب فيها لا نفس الصكاك التي هي الأوراق التي هي سند بالأرزاق . الثاني : أن هناك فرقا بينهما في الجملة وهو أن الفلوس الحديدية لا يتعامل بها بالعرف الجاري قديما وحديثا إلا في المحقرات فلا يشترى بها شيء له بال بخلاف الأوراق ، فدل على أنها أقرب للفضة من الفلوس . الثالث : أنا لو فرضنا أن كلا من الأمرين محتمل فالنبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » « 2 » ويقول : « فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه » « 3 » ويقول : « والإثم ما حاك في النفس » « 4 » الحديث وقال الناظم :
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : مسلم في البيوع حديث 40 . ( 2 ) أخرجه عن الحسن بن علي : الترمذي في صفة القيامة حديث 2518 ، والنسائي في الأشربة ، باب الحث على ترك الشبهات ، وأحمد في المسند 1 / 200 ، والحاكم في البيوع 2 / 13 ، وابن حبان في المواقيت حديث 512 ، والدارمي في البيوع 2 / 245 . ( 3 ) أخرجه عن النعمان بن بشير : البخاري في الإيمان حديث 52 ، والبيوع حديث 2051 ، ومسلم في المساقاة حديث 107 و 108 ، وأبو داود في البيوع حديث 3329 ، والترمذي في البيوع حديث 1205 ، والنسائي في البيوع باب اجتناب الشبهات في الكسب ، وابن ماجة في الفتن حديث 3984 ، والدارمي في البيوع 2 / 245 . ( 4 ) أخرجه مسلم في البر والصلة حديث 14 و 15 .