الشنقيطي
155
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
على أحد أمرين : أحدهما أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد ، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا ، وكما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج . وعليه فلا إشكال لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم والنبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « إنّما الأعمال بالنيّات وإنّما لكلّ امرئ ما نوى » « 1 » فمن قال أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . ونوى التأكيد فواحدة ، وإن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث . واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « وإنما لكل امرئ ما نوى » « 2 » . والثاني : أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحادا مع توافر الدواعي إلى نقله ، والأول أولى وأخف من الثاني ، وقال القرطبي في المفهم في الكلام على حديث طاوس المذكور : وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك ، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم وينتشر فكيف ينفرد به واحد عن واحد ؟ قال : فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره ، إن لم يقتض القطع ببطلانه ا ه منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه ، وهو قوي جدا بحسب المقرر في الأصول كما ترى . الجواب السادس : عن حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على أن المراد بها البتة كما قدمنا في حديث ركانة ، وهو من رواية ابن عباس أيضا ، قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر هذا الجواب ما نصه : وهو قوي ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب ، الآثار التي فيها البتة ، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث ، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما ، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا إن أراد المطلق واحدة فيقبل ، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث ، لاشتهار التسوية بينهما ، فرواها بلفظ الثلاث . وإنما المراد لفظ البتة ، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال أردت بالبتة واحدة ، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم ا ه من فتح الباري بلفظه . وله وجه من النظر كما لا يخفى ، وما يذكره كل ممن قال بلزوم الثلاث دفعة ، ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية ليصحح به كل مذهبه ، لم نطل به الكلام ؛ لأن الظاهر سقوط ذلك كله ، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من جهة النقل فإنه لا يمكن من جهة العقل ، وقياس أنت طالق ثلاثا على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد
--> ( 1 ) أخرجه عن عمر : البخاري في بدء الوحي حديث 1 ، والإيمان حديث 54 ، والأيمان والنذور حديث 6689 ، والنكاح حديث 5070 ، والحيل حديث 6953 ، ومسلم في الإمارة حديث 155 ، وأبو داود في الطلاق حديث 2201 ، والترمذي في فضائل الجهاد حديث 1647 ، والنسائي في الطهارة ، باب النية في الوضوء ، وابن ماجة في الزهد حديث 4227 . ( 2 ) سبق تخريجه .