الشنقيطي

15

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لتصريحه تعالى به في نفس القصة في هود ، ويؤيده قوله تعالى في الذاريات : وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 38 ) [ الذاريات : 38 ] الآية ، لأن قوله : وَفِي مُوسى معطوف على قوله : وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 37 ) [ الذاريات : 37 ] ، فيكون المعنى : وتركنا في قصة فرعون مع موسى وما أصابه من العذاب بسبب تكذيبه له آية للذين يخافون العذاب الأليم ، ففيه بيان المفعول وأنه عذاب الآخرة ، كما ذكر في هود ، وسترى إن شاء اللّه إيضاحه في النازعات . ومثاله في أحد المفعولين قوله : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ [ البقرة : 51 ] الآية ، ونحوها من جميع آيات اتخاذهم العجل إلها ، فإن المفعول الثاني محذوف في جميعها ، وتقديره اتخذتم العجل إلها . ونكتة حذفه دائما التنبيه على أنه لا ينبغي أن يتلفظ بأن عجلا مصطنعا إله ، وقد أشار إلى هذا المفعول في طه بقوله : فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ( 87 ) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى [ طه : 87 - 88 ] . ومثال ذكر ظرف المكان قوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) [ الفاتحة : 2 ] ثم بين في سورة الروم أن السماوات والأرض من الظروف المكانية لحمده جل وعلا ، وذلك في قوله تعالى : وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الروم : 18 ] الآية - . ومثال ذكر ظرف الزمان قوله تعالى في القصص : لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ [ القصص : 70 ] وقوله في أول سبأ : وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ( 1 ) [ سبأ : 1 ] ، فبين أن الدنيا والآخرة من الظروف الزمانية لحمده ، ومن أمثلته قوله تعالى : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [ البقرة : 143 ] ، فإنه بين في سورة النساء أن شهادة الرسول واقعة يوم القيامة وذلك في قوله : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ [ النساء : 41 - 42 ] . ومثال ذكر المتعلق قوله تعالى في النساء : وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النساء : 84 ] الآية ، فإنه لم يبين هنا متعلق التحريض ولكنه بينه في الأنفال بقوله : حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ [ الأنفال : 65 ] الآية . ومن أمثلته قوله تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ( 22 ) [ الفجر : 22 ] ، وقوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ [ الأنعام : 158 ] الآية ، فإنه ذكر في البقرة لإتيانه جل وعلا يوم القيامة متعلقا ، وذلك في قوله : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ [ البقرة : 210 ] الآية . فالجار والمجرور الذي هو قوله : فِي ظُلَلٍ يتعلق بقوله : يَأْتِيَهُمُ . ومن أمثلته قوله : فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً [ الرحمن : 37 ] الآية ، وقوله : وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ( 16 ) [ الحاقة : 16 ] ، وقوله : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) [ الانشقاق : 1 ] ، فقد ذكر لانشقاقها متعلقا في الفرقان في قوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [ الفرقان : 25 ] الآية . ومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن فغلبته فيه دليل على عدم خروجه من