الشنقيطي
16
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
معنى الآية ، ومثاله قوله تعالى : لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي [ المجادلة : 21 ] فقد قال بعض العلماء : إن المراد بهذه الغلبة ، الغلبة بالحجة والبيان ، والغالب في القرآن هو استعمال الغلبة في الغلبة بالسيف والسنان ، وذلك دليل واضح على دخول تلك الغلبة في الآية ؛ لأن خير ما يبين به القرآن القرآن فمن ذلك قوله تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ [ آل عمران : 12 ] ، وقوله : وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ [ النساء : 74 ] ، وقوله : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [ الأنفال : 65 ] ، وقوله : فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ [ الأنفال : 66 ] - ، الآية . وقوله : ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ [ الروم : 1 - 4 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد يكون المعنى المذكور متكررا قصده في القرآن ، إلا أنه ليس أغلب من قصد سواه ، والاستدلال به مذكور في هذا الكتاب أيضا ، وهو دون الأول في الرتبة ، فالاستدلال به شبه الاستئناس ، ومثاله قوله تعالى : وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ ( 19 ) [ البقرة : 19 ] ، فقد قال بعض أهل العلم : معناه مهلكهم ، وإطلاق الإحاطة وإرادة الإهلاك متكرر في القرآن ، إلا أنه ليس أغلب في معنى الإحاطة في القرآن ، ومنه قوله تعالى : وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ [ يونس : 22 ] ، وقوله : لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ [ يوسف : 66 ] - على أحد القولين - ، وقوله : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [ الكهف : 42 ] الآية . وسترى هذا المبحث في سورة البقرة إن شاء اللّه تعالى . ومن هذا النوع إطلاق الظلم على الشرك كقوله : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [ الأنعام : 82 ] ، وقوله : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ [ لقمان : 13 ] ، وقوله : وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 254 ) [ البقرة : 254 ] ، وقوله : وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ ( 106 ) [ يونس : 106 ] ، كما ستراه إن شاء اللّه تعالى في البقرة والانعام . ومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك وهو من أهمها بيان أن جميع ما وصف اللّه به نفسه في هذا القرآن العظيم من الصفات كالاستواء واليد والوجه ونحو ذلك من جميع الصفات ، فهو موصوف به حقيقة لا مجازا مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة صفات الحوادث سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وذلك البيان العظيم لجميع الصفات في قوله جل وعلا : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) [ الشورى : 11 ] ، فنفى عنه مماثلة الحوادث بقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وأثبت له الصفات على الحقيقة بقوله : وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 11 ) وسترى إن شاء اللّه تحقيق هذا المبحث وإيضاحه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة الأعراف . ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أنا إذا بينا قرآنا بقرآن في مسألة