الشنقيطي

146

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

واحد ؟ بل الحديث حجة لنا فإنه لا يقال فعل ذلك ثلاثا وقال ثلاثا ، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة ، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم . كما يقال قذفه ثلاثا وشتمه ثلاثا وسلم عليه ثلاثا ، ا ه منه بلفظه . وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائي رحمه اللّه . من الحديث ؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة ، كما أوضحه ابن القيم رحمه اللّه في حديث عائشة المذكور آنفا . وممن قال بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور : الثلاث المفرقة بألفاظ نحو أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . ابن سريج فإنه قال : يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ ، كأن يقول أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . وكانوا أولا على سلامة صدورهم ، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد ، فلما كثر الناس في زمن عمر وكثر فيهم الخداع ونحوه ؛ مما يمنع قبول من ادعى التأكيد ، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار ، فأمضاه عليهم . قاله ابن حجر في الفتح . وقال : إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي ، وقواه بقول عمر : إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة . وقال النووي في شرح مسلم ما نصه : وأما حديث ابن عباس فاختلف الناس في جوابه وتأويله ، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها : أنت طالق ؛ أنت طالق ، أنت طالق . ولم ينو تأكيدا ، ولا استئنافا ، يحكم بوقوع طلقة ؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك ، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد . فلما كان في زمن عمر رضي اللّه عنه وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة ، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها ، حملت عند الإطلاق على الثلاث ؛ عملا بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر . قال مقيده - عفا اللّه عنه - وهذا الوجه لا إشكال فيه ؛ لجواز تغير الحال عند تغير القصد ؛ لأن الأعمال بالنيات ، ولكل امرئ ما نوى ، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا . وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت ، فليتق اللّه من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد ، ولم يتعين ذلك من اللغة ، ولا من الشرع ، ولا من العقل كما ترى . قال مقيده - عفا اللّه عنه - ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن أحمد ، وأبي يعلى ، من قوله : طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد وقوله صلّى اللّه عليه وسلم كيف طلقتها ؟ قال ثلاثا في مجلس واحد ؛ لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد ، إذ لو كان اللفظ