الشنقيطي
133
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كلام ابن عباس المذكور ؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ . وهذا الصحابي حفظ إنفاذ الثلاث ، والمثبت مقدم على النافي . فإذا قيل : إنفاذه صلّى اللّه عليه وسلم الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان ؛ لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية . فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان . ويدل لهذا أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان ، وقال : « أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم ؟ » كما أخرجه النسائي « 1 » من حديث محمود بن لبيد فالجواب من أربعة أوجه : الأول : الكلام في حديث محمود بن لبيد ، فإنه تكلم فيه من جهتين : الأولى : أنه مرسل ؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وإن كانت ولادته في عهده صلّى اللّه عليه وسلم ، وذكره في الصحابة من أجل الرؤية ، وقد ترجم له أحمد في مسنده ، وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع . الثانية : أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير . يعني ابن الأشج عن أبيه ، ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه ، قاله أحمد وابن معين وغيرهما . وقال ابن المديني : سمع من أبيه قليلا . قال ابن حجر في التقريب : روايته عن أبيه وجادة من كتابه ، قاله أحمد وابن معين وغيرهما ، وقال ابن المديني سمع من أبيه قليلا . قال مقيده - عفا اللّه عنه - أما الإعلال الأول بأنه مرسل ، فهو مردود بأنه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل . ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة . كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره . والإعلال الثاني بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه : أن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه ، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم إلا بموجب صريح يقتضي الرد ، فالحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده . الوجه الثاني : وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه صلّى اللّه عليه وسلم أنفذ الثلاث ، ولا أنه لم ينفذها ، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها ، والمبين مقدم على المجمل ، كما تقرر في الأصول بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة ، بحديث محمود هذا .
--> ( 1 ) كتاب الطلاق ، باب الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ .