الشنقيطي
134
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ووجه استدلاله به أنه طلق ثلاثا يظن لزومها ، فلو كانت غير لازمة لبين النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنها غير لازمة ؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة . الوجه الثالث : أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري رحمه اللّه أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله : « باب من جوز الطلاق الثلاث » وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره ، في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة . الوجه الرابع : هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع الثلاث دفعة ، كحديث ابن عمر ، وحديث الحسن بن علي ، وإن كان الكل لا يخلو من كلام . وممن قال بأن اللعان طلاق لا فسخ أبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وحماد ، وصح عن سعيد بن المسيب ، كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري ، وعن الضحاك والشعبي : إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته . وبهذا كله تعلم أن ردّ الاحتجاج بتقريره صلّى اللّه عليه وسلم عويمر العجلاني « 1 » ، على إيقاع الثلاث دفعة ، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر ، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته صلّى اللّه عليه وسلم لا دليل فيه ، بل نقول لو كانت لا تقع دفعة لبيّن أنها لا تقع دفعة ، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان كما تقدم . ومن أدلّتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته ، فإن فيه « فقالت يا رسول اللّه إنّ رفاعة طلّقني فبتّ طلاقي » « 2 » الحديث : وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المتقدمة ، فإن قولها فبت طلاقي ظاهر في أنه قال لها أنت طالق البتة ، قال مقيده - عفا اللّه عنه - الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر ؛ لأن مرادها بقولها : فبت طلاقي أي : بحصول الطلقة الثالثة . ويبيّنه أن البخاري ذكر في كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت : طلقني آخر ثلاث تطليقات « 3 » ، وهذه الرواية تبيّن المراد من قولها فبت طلاقي ، وأنه لم يكن دفعة واحدة ، ومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح ؛ وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المذكورة أيضا « أن رجلا طلّق امرأته ثلاثا ، فتزوجت فطلّق ، فسئل النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أتحلّ للأوّل ؟ قال لا ، حتّى يذوق عسيلتها كما ذاق الأوّل » « 4 » فإن قوله ثلاثا ظاهر في كونها مجموعة ، واعترض الاستدلال بهذ الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة ، وقد قدمنا قريبا أن بعض
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) كتاب الأدب حديث 6084 . ( 4 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في الطلاق حديث 5261 ، ومسلم في النكاح حديث 115 .