الشنقيطي
121
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ الأحزاب : 49 ] . أما اللواتي لا يحضن ، لكبر أو صغر ، فقد بين أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [ الطلاق : 4 ] . قوله تعالى : ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [ البقرة : 228 ] فيه إجمال : لأن القرء يطلق لغة على الحيض ، ومنه قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « دعي الصلاة أيام أقرائك » « 1 » . ويطلق القرء لغة أيضا على الطهر ومنه قول الأعشى . أفي كلّ يوم أنت جاشم غزوة * تشدّ لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالا وفي الحيّ رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا ومعلوم أن القرء الذي يضيع على الغازي من نسائه هو الطهر دون الحيض ، وقد اختلف العلماء في المراد بالقروء في هذه الآية الكريمة ، هل هو الأطهار أو الحيضات ؟ وسبب الخلاف اشتراك القرء بين الطهر والحيض كما ذكرنا ، وممن ذهب إلى أن المراد بالقرء في الآية الطهر ، مالك ، والشافعي ، وأم المؤمنين عائشة ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن عمر ، والفقهاء السبعة ، وأبان بن عثمان ، والزهري ، وعامة فقهاء المدينة ، وهو رواية عن أحمد ، وممن قال : بأن القروء الحيضات ، الخلفاء الراشدون الأربعة ، وابن مسعود ، وأبو موسى ، وعبادة بن الصامت ، وأبو الدرداء ، وابن عباس ، ومعاذ بن جبل ، وجماعة من التابعين وغيرهم ، وهو الرواية الصحيحة عن أحمد . واحتج كل من الفريقين بكتاب وسنة ، وقد ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب أننا في مثل ذلك نرجح ما يظهر لنا أن دليله أرجح ، أما الذين قالوا : القروء : الحيضات ، فاحتجوا بأدلة كثيرة منها قوله تعالى : وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [ الطلاق : 4 ] . قالوا فترتيب العدة بالأشهر على عدم الحيض يدل على أن أصل العدة بالحيض ، والأشهر بدل من الحيضات عند عدمها ، واستدلّوا أيضا بقوله : وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ [ البقرة : 228 ] . قالوا هو الولد ، أو الحيض ، واحتجوا بحديث « دعي الصلاة أيام أقرائك » قالوا : إنه صلّى اللّه عليه وسلم هو مبين الوحي وقد أطلق القرء على الحيض ، فدل ذلك على أنه المراد في الآية ، واستدلوا بحديث اعتداد الأمة بحيضتين « 2 » ، وحديث استبرائها
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : أبو داود في النكاح حديث 2157 ، وأحمد في المسند 3 / 28 .