الشنقيطي
122
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بحيضة « 1 » . وأما الذين قالوا القروء الأطهار ، فاحتجوا بقوله تعالى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] قالوا : عدتهن المأمور بطلاقهن لها الطهر لا الحيض كما هو صريح الآية ، ويزيده إيضاحا قوله صلّى اللّه عليه وسلم ، في حديث ابن عمر المتفق عليه : « فإن بدا له أن يطلّقها فليطلّقها طاهرا قبل أن يمسّها ، فتلك العدّة كما أمر اللّه » « 2 » . قالوا إنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم صرح في هذا الحديث المتفق عليه ، بأن الطهر هو العدة التي أمر اللّه أن يطلق لها النساء ، مبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] وهو نصّ من كتاب اللّه وسنة نبيه في محل النزاع . قال مقيّده - عفا اللّه عنه - : الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا ، فصل في محل النزاع ؛ لأن مدار الخلاف هل القروء الحيضات أو الأطهار ؟ وهذه الآية ، وهذا الحديث ، دلا على أنها الأطهار . ولا يوجد في كتاب اللّه ، ولا سنة نبيه صلّى اللّه عليه وسلم شيء يقاوم هذا الدليل ، لا من جهة الصحة ، ولا من جهة الصراحة في محل النزاع ؛ لأنه حديث متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب اللّه تعالى . وقد صرح فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، بأن الطهر هو العدة مبينا أن ذلك هو مراد اللّه جل وعلا ، بقوله : فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ [ الطلاق : 1 ] فالإشارة في قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « فتلك العدّة » ، راجعة إلى حال الطهر الواقع فيه الطلاق ؛ لأن معنى قوله « فليطلّقها طاهرا » أي : في حال كونها طاهرا ، ثم بين أن ذلك الحال الذي هو الطهر هو العدة مصرحا بأن ذلك هو مراد اللّه في كتابه العزيز ، وهذا نص صريح في أن العدة بالطهر . وأنث الإشارة لتأنيث الخبر ، ولا تخلص من هذا الدليل لمن يقول هي الحيضات إلا إذا قال العدة غير القروء ، والنزاع في خصوص القروء كما قال بهذا بعض العلماء . وهذا القول يرده إجماع أهل العرف الشرعي ، وإجماع أهل اللسان العربي ، على أن عدة من تعتد بالقروء هي نفس القروء لا شيء آخر زائد على ذلك . وقد قال تعالى : وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ [ الطلاق : 1 ] وهي زمن التربص إجماعا ، وذلك هو المعبر عنه بثلاثة قروء التي هي معمول قوله تعالى : يَتَرَبَّصْنَ [ البقرة : 228 ] في هذه الآية فلا يصح لأحد أن يقول : إن على المطلقة التي تعتد بالأقراء شيئا يسمى العدة . زائدا على ثلاثة القروء المذكورة في الآية الكريمة البتة ، كما هو معلوم .
--> ( 1 ) أخرجه : البخاري في التفسير حديث 4905 ، ومسلم في الطلاق حديث 1 . ( 2 ) سبق تخريجه .