الشنقيطي
12
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
سؤال عنه وجواب في موضع آخر كقوله تعالى : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] فإنه لم يبين هنا ما المراد بالعالمين ، ولكنه وقع سؤال عنهم وجواب في موضع آخر ، وهو قوله تعالى : قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ ( 23 ) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا [ الشعراء : 23 - 24 ] الآية - وسؤال فرعون هذا - لعنه اللّه - وإن كان في الأصل عن الرب جل وعلا ، فقد دخل فيه الجواب عن المراد بالعالمين كما ترى ، ومن أمثلته قوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) [ الفاتحة : 4 ] فإنه لم يبينه هنا مع أنه وقع سؤال عنه وجواب في موضع آخر وهو قوله وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 17 ) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ( 18 ) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً [ الانفطار : 17 - 19 ] الآية . ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يكون الظاهر المتبادر من الآية بحسب الوضع اللغوي غير مراد بدليل قرآني آخر على أن المراد غيره ومثاله قوله تعالى : الطَّلاقُ مَرَّتانِ [ البقرة : 229 ] الآية - فإن ظاهره المتبادر منه أن الطلاق كله محصور في المرتين ، ولكنه تعالى بين أن المراد بالمحصور في المرتين خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة بقوله : فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [ البقرة : 230 ] ، ومن أمثلته قوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [ الأنعام : 152 ] ، فإن المتبادر من مفهوم الغاية أنه إذا بلغ أشده ، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن ، ولكنه تعالى بين أن المراد بالغاية أنه إن بلغها يدفع إليه ماله إن أونس منه الرشد ، وذلك في قوله : حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً [ النساء : 6 ] الآية . ومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولا ، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول ، ومثاله قول أبي حنيفة - رحمه اللّه - إن المسلم يقتل بالكافر الذمّيّ مثلا قائلا إن ذلك يفيده عموم النفس بالنفس في قوله : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ [ المائدة : 45 ] الآية - فإن قوله تعالى في آخر الآية : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [ المائدة : 45 ] الآية - قرينة على عدم دخول الكافر ، لأن صدقته لا تكفر عنه شيئا إذ لا تنفع الأعمال الصالحة مع الكفر ، كما سترى تحقيقه في المائدة إن شاء اللّه تعالى . ومن أمثلته قول الحسن البصري - رحمه اللّه - إن المراد بابني آدم في قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً [ المائدة : 27 ] الآية - رجلان من بني إسرائيل ، فإن قوله تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ [ المائدة : 31 ] الآية - دليل على أن ذلك وقع في مبدأ الأمر قبل أن يعلم الناس دفن الموتى ، أما في زمن بني إسرائيل فلا يخفى دفن الموتى على أحد ، ولا يحتاج إسرائيلي البتة إلى تعلّم دفن الميت من الغراب كما هو ظاهر . ومن أمثلته قول مجاهد - رحمه اللّه - إن المراد بقوله : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ [ المائدة : 95 ] أنه متعمد