الشنقيطي

13

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

لقتله ناس لإحرامه ، فإن قوله تعالى في آخر الآية : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ [ المائدة : 95 ] يدلّ على أنه مرتكب معصية والناسي لإحرامه غير مرتكب إثما حتى يقال فيه ليذوق وبال أمره . ومن أمثلته قول كثير من الناس إن آية الحجاب أعني قوله تعالى : وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [ الأحزاب : 53 ] الآية - خاصة بأزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم ، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله : ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ [ الأحزاب : 53 ] قرينة واضحة على قصد تعميم الحكم ، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا حاجة إلى طهارة قلوبهن ، ولا إلى طهارة قلوب الرجال من الريبة منهن ، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعمم معلولها وإليه أشار في مراقي السعود بقوله : وقد تخصّص وقد تعمّم * لأصلها لكنها لا تخرم وسترى إن شاء اللّه تحقيق مسألة الحجاب في سورة الأحزاب . ومن أمثلته قول بعض أهل العلم : إن أزواجه صلّى اللّه عليه وسلم لا يدخلن في أهل بيته في قوله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ [ الأحزاب : 33 ] الآية - فإن قرينة السياق صريحة في دخولهن ، لأن اللّه تعالى قال : قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ [ الأحزاب : 28 ] ثم قال في نفس خطابه لهن : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ [ الأحزاب : 33 ] ثم قال بعده : وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ [ الأحزاب : 34 ] الآية . وأجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يصح إخراجها بمخصص ، وروي عن مالك : أنها ظنية الدخول ، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله : واجزم بإدخال ذوات السبب * وارو عن الإمام ظنّا تصب فالحق أنهن داخلات في الآية ، وسترى إن شاء اللّه تحقيق ذلك في سورة الأحزاب . ومن أنواع البيان التي تضمنها أيضا أن يذكر وقوع شئ في القرآن ، ثم يذكر في محل آخر كيفية وقوعه كقوله تعالى : وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ [ البقرة : 51 ] الآية - فإنه لم يبين هنا كيفية الوعد بها : هل كانت مجتمعة أو مفرقة ؟ ولكنه بينها في الأعراف بقوله : * وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [ الأعراف : 142 ] . ومن أمثلته قوله تعالى : وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) [ البقرة : 50 ] فإنه بين كيفية إغراقه لهم في مواضع أخر كقوله : فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [ الشعراء : 63 ] الآية - وقوله : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً [ طه : 77 ] الآية - ومن هذا القبيل أن يذكر وقوع أمر من غير تعرض إلى كونه وقع أولا بتنجيز أو تعليق ، ثم يبين ذلك في موضع آخر ، ومثاله قوله تعالى : وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ