الشنقيطي
107
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
عليه أه « 1 » . فإذا علمت هذا وعلمت أن ابن عباس رضي اللّه عنهما ممن روى عنه عكرمة الحديث الذي روي عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم الناس به ، ولا سيما إن كان ابن عباس الذي دعا له النبي صلّى اللّه عليه وسلم اللّه أن يعلمه التأويل ، وهو مصرح بأن معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلم في حديث الحجاج بن عمرو وعليه حجة أخرى ، محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام ، تعلم أن الجمع الأول الذي ذكرنا هو المتعين ، واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية ، وأن الجمع الأخير لا يصح ؛ لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام أه . وأما على قول من قال إنه لا إحصار إلا بالعدو خاصة وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ويطوف بالبيت ، وبالصفا والمروة ، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا ، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا ، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر ، كما تقدم « 2 » . فهو من حيث إن المريض عندهم غير محصر ، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة ، يطوف ويسعى ويحج من قابل ويهدي ، أو يصوم إن لم يجد هديا أه . وفي المسألة قول رابع : وهو أنه لا إحصار بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعذر ، كائنا ما كان ، وهو ضعيف جدا ، ولا معول عليه عند العلماء ؛ لأن حكم الإحصار منصوص عليه في القرآن والسنة ، ولم يرد فيه نسخ ، فادعاء دفعه بلا دليل واضح السقوط كما ترى ، هذا هو خلاصة البحث في قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ [ البقرة : 196 ] . وأما قوله : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ البقرة : 196 ] فجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها ، وهو مذهب الأئمة الأربعة ، وبه قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس ، وبه قال طاوس ، وعطاء ، ومجاهد ، وأبو العالية ، ومحمد بن علي بن الحسين ، وعبد الرحمن بن القاسم ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وقتادة ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم ، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره . وقال جماعة من أهل العلم : إن المراد بما استيسر من الهدي ، إنما هو الإبل والبقر دون الغنم ، وهذا القول مروي عن عائشة ، وابن عمر ، وسالم ، والقاسم ، وعروة بن الزبير ، وسعيد بن جبير ، وغيرهم . قال ابن كثير : والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية ، فإنه لم ينقل
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس : ابن جرير الطبري في جامع البيان 2 / 130 . ( 2 ) سبق تخريجه .