الشنقيطي

108

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة ، وإنما ذبحوا الإبل والبقر . ففي الصحيحين عن جابر قال : « أمرنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة » « 1 » . قال مقيده - عفا اللّه عنه - لا يخفى أن التحقيق في هذه المسألة : أن المراد بما استيسر من الهدي ما تيسر مما يسمى هديا ، وذلك شامل لجميع الأنعام : من إبل ، وبقر ، وغنم ، فإن تيسرت شاة أجزأت ، والناقة والبقرة أولى بالإجزاء . وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « أهدى صلّى اللّه عليه وسلم مرّة غنما » « 2 » . فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول : إذا كان مع المحصر هدي لزمه نحره إجماعا ، وجمهور العلماء على أنه ينحره في المحل الذي حصر فيه ، حلّا كان أو حرما ، وقد نحر صلّى اللّه عليه وسلم هو وأصحابه بالحديبية ، وجزم الشافعي وغيره بأن الموضع الذي نحروا فيه من الحديبية من الحل لا من الحرم ، واستدل لذلك بدليل واضح من القرآن وهو قوله تعالى : هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [ الفتح : 25 ] فهو نص صريح في أن ذلك الهدي لم يبلغ محله ، ولو كان في الحرم لكان بالغا محله ، وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه ، قال : « لما حبس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه نحروا بالحديبية ، وبعث اللّه ريحا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم » « 3 » ، وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة الحديبية بقوله : ونحروا وحلقوا وحملت * شعورهم للبيت ريح قد غلت قال ابن عبد البر في الاستذكار : فهذا يدل على أنهم نحروا في الحل ، وتعقبه ابن حجر في فتح الباري : بأنه يمكن أن يكونوا أرسلوا هديهم مع من ينحره في الحرم ، قال : وقد ورد في ذلك حديث ناجية بن جندب الأسلمي قال : قلت : يا رسول اللّه ابعث معي الهدي حتى أنحره في الحرم . أخرجه النسائي من طريق إسرائيل عن مجزأة بن زاهر ، عن ناجية ، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل ، لكن قال عن ناجية عن أبيه : لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه ، بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه ، وكانوا في الحل ، وذلك دال على الجواز ، واللّه أعلم ، انتهى كلام ابن حجر . وخالف في هذه المسألة أبو

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الحج حديث 350 و 351 و 353 و 355 . ( 2 ) أخرجه : البخاري في الحج حديث 1701 ، ومسلم في الحج حديث 367 . ( 3 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 104 .