الشنقيطي
98
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تعالى : وَاللَّهُ قَدِيرٌ يشعر بأنه فاعل ذلك لهم ، وقد جاء ما يدل على أنه فعله فعلا في سورة النصر حين دخل الناس في دين اللّه أفواجا ، وقد فتح اللّه عليهم مكة وكانوا طلقاء لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكذلك موقف أبي سفيان وغيره ، وعام الوفود إلى المدينة بعد الفتح ، وفي التذييل بأن اللّه قدير ، يشعر بأن تأليف القلوب ومودتها إنما هو من قدرة اللّه تعالى وحده ، كما بينه قوله تعالى : لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ الأنفال : 63 ] الآية . لأن المودة المتوقعة بسبب هداية الكفار ، والهداية منحة من اللّه : إنك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدي من يشاء . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [ 8 - 9 ] . اعتبر بعض المفسرين الآية الأولى رخصة من الآية في أول السورة ، ولكن في هاتين الآيتين صنفان من الأعداء وقسمان من المعاملة . الصنف الأول : عدو لم يقاتلوا المسلمين في دينهم ولم يخرجوهم من ديارهم . فهؤلاء تعالى في حقهم لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ . والصنف الثاني : قاتلوا المسلمين وأخرجوهم من ديارهم وظاهروا على إخراجهم ، وهؤلاء يقول تعالى فيهم : إنما ينهاكم اللّه أن تولوهم إذا فهما قسمان مختلفان وحكمان متغايران ، وإن كان القسمان لم يخرجا عن عموم عدوي وعدوكم المتقدم في أول السورة ، وقد اعتبر بعض المفسرين الآية الأولى رخصة بعد النهي المتقدم ، ثم إنها نسخت بآية السيف أو غيرها على ما سيأتي . واعتبر الآية الثانية تأكيدا للنهي الأول ، وناقش بعض المفسرين دعوى النسخ في الأولى ، واختلفوا فيمن نزلت ومن المقصود منها ، والواقع أن الآيتين تقسيم لعموم العدو المتقدم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] ، مع بيان كل قسم وحكمه ، كما تدل له قرائن في الآية الأولى ، وقرائن في هاتين