الشنقيطي

99

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الآيتين على ما سيأتي إن شاء اللّه تعالى . أما التقسيم فقسمان : قسم مسالم لم يقاتل المسلمين ولم يخرجهم من ديارهم ، فلم ينه اللّه المسلمين عن برهم والإقساط إليهم ، وقسم غير مسالم يقاتل المسلمين ويخرجهم من ديارهم ويظاهر على إخراجهم ، فنهى اللّه المسلمين عن موالاتهم ، وفرق بين الإذن بالبر والقسط ، وبين النهي عن الموالاة والمودة ، ويشهد لهذا التقسيم ما في الآية الأولى من قرائن ، وهي عموم الوصف بالكفر ، وخصوص الوصف بإخراج الرسول وإياكم . ومعلوم أن إخراج الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين من ديارهم كان نتيجة لقتالهم وإيذائهم فهذا القسم هو المعني بالنهي عن موالاته لموقفه المعادي لأن المعاداة تنافي الموالاة . ولذا عقب عليه بقوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 9 ) فأي ظلم بعد موالاة الفرد لأعداء أمته وأعداء اللّه ورسوله . أما القسم العام وهم الذين كفروا بما جاءهم من الحق لكنهم لم يعادوا المسلمين في دينهم لا بقتال ولا بإخراج ولا بمعاونة غيرهم عليهم ولا ظاهروا على إخراجهم ، فهؤلاء من جانب ليسوا محلا للموالاة لكفرهم ، وليس منهم ما يمنع برهم والإقساط إليهم . وعلى هذا فإن الآية الثانية ليس فيها جديد بحث بعد البحث المتقدم في أول السورة ، وبقي البحث في الآية الأولى ، ومن جانبين : الأول : بيان من المعنى بها ، والثاني : بيان حكمها ، وهل هي محكمة أم نسخت . وقد اختلفت أقوال المفسرين في الأمرين ، ولأهمية هذا المبحث وحاجة الأمة إليه في كل وقت ، وأشد ما تكون في هذا العصر لقوة تشابك مصالح العالم وعمق تداخلها ، وترابط بعضه ببعض في جميع المجالات ، وعدم انفكاك دولة عن أخرى مما يزيد من وجوب الاهتمام بهذا الموضوع . وإني مستعين اللّه في إيراد ما قيل فيها ، ثم مقدم ما يمكن أخذه من مجموع أقوال المفسرين ، وكلام الشيخ رحمة اللّه عليه . القول الأول إنها منسوخة ، قال القرطبي عن أبي زيد أنها كانت في أول الإسلام زمن الموادعة وترك الأمر بالقتال ثم نسخت قيل بآية : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ