الشنقيطي

62

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تنبيه مجيء « قدمت » بصيغة الماضي حث على الإسراع في العمل ، وعدم التأخير ، لأنه لم يملك إلا ما قدم في الماضي ، والمستقبل ليس بيده ، ولا يدري ما يكون فيه ، وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً [ لقمان : 34 ] وكما في وقوله : « حجوا قبل ألا تحجوا » « 1 » ، وقوله تعالى : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ آل عمران : 133 ] ، وقوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ ( 19 ) [ الحشر : 19 ] . بعد الحث على تقوى اللّه وعلى الاجتهاد في تقديم العمل الصالح ليوم غد جاء التحذير في هذه الآية من النسيان والترك وألا يكون كالذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم ، ولم يبين هنا من هم الذين حذر من أن يكونوا مثلهم في هذه النسيان ، وما هو النسيان والإنساء المذكوران هنا . وقد نص القرآن على أن الذين نسوا اللّه هم المنافقون في قوله تعالى في سورة التوبة : الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ [ التوبة : 67 ] وهذا عين الوصف الذي وصفوا به في سورة الحشر . وقوله تعالى : فَنَسِيَهُمْ أي أنساهم أنفسهم ، لأن اللّه تعالى لا ينسى لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى [ طه : 52 ] ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم : 64 ] . وقد جاء أيضا : وصف كل من اليهود والنصارى والمشركين بالنسيان في الجملة ، ففي اليهود يقول تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [ المائدة : 13 ] . وفي النصارى يقول تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [ المائدة : 14 ] . وفي المشركين يقول تعالى : الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي هريرة : الدارقطني في الحج حديث ( 294 ) 2 / 301 ، 302 ، والبيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الحج 4 / 341 .