الشنقيطي
63
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ [ الأعراف : 51 ] ، فيكون التحذير منصبا أصالة على المنافقين وشاملا معهم كل تلك الطوائف لاشتراكهم جميعا في أصل النسيان . أما النسيان هنا ، فهو بمعنى الترك ، وقد نص عليه الشيخ - رحمة اللّه تعالى عليه - عند الكلام على قوله تعالى : وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ [ طه : 115 ] . فذكر وجهين ، وقال : العرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمدا ، ومنه قوله تعالى : قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى [ طه : 126 ] . فالمراد من هذه الآية الترك قصدا . وكقوله : فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ [ الأعراف : 51 ] . وقوله : فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ [ السجدة : 14 ] . وقوله : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ [ الحشر : 19 ] الآية . انتهى . أما النسيان الذي هو ضد الذكر ، وهو الترك عن غير قصد ، فليس داخلا هنا ، لأن هذه الأمة قد أعفيت من المؤاخذة عليه ، كما في قوله تعالى : رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا [ البقرة : 286 ] . وفي الحديث أن اللّه تعالى قال : « قد فعلت قد فعلت » « 1 » أي عندما تلاها صلى اللّه عليه وسلم . وجاء في السنة « إن اللّه قد تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » « 2 » . وقد بين الشيخ - رحمة اللّه تعالى عليه - هذا النوع في دفع إيهام الاضطراب على الجواب عن الإشكال الموجود في نسيان آدم ، هل كان عن قصد أو عن غير قصد ، وإذا كان عن غير قصد ، فكيف يؤاخذ ؟ . وبين خصائص هذه الأمة في هذا الباب رحمة اللّه تعالى عليه ، فليرجع إليه . وإذا تبين المراد بالتحذير من مشابهتهم في النسيان ، وتبين معنى النسيان ، فكيف
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) سبق تخريجه .