الشنقيطي
50
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [ الأنفال : 74 ] . فذكر المهاجرين بالجهاد بالمال والنفس ، وذكر معهم الأنصار بالإيواء والنصر ، ووصف الفريقين معا بولاية بعضهم لبعض ، وأثبت لهم معا حقيقة الإيمان أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ، أي الصادقون في إيمانهم ، فاستوى الأنصار مع المهاجرين في عامل النصرة وفي صدق الإيمان . وفي قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ الحشر : 9 ] وصف شامل للأنصار ، تبوءوا الدار : أي المدينة ، والإيمان من قبلهم : أي بيعة العقبة الأولى والثانية من قبل مجيء المهاجرين ، بل ومن قبل إيمان بعض المهاجرين يحبون من هاجر إليهم ويستقبلونه بصدور رحبة ، ويؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ، لأنهم هاجروا إليهم . وظاهر النصوص تدل بمفهومها أن غيرهم لم يشاركهم في هذه الصفات ، ولكن في الآية الأولى ما يدل لمشاركة المهاجرين الأنصار في هذا الوصف الكريم ، وهو الإيثار على النفس ، لأن حقيقة الإيثار على النفس هو بذل المال للغير عند حاجته مقدما غيره على نفسه ، وهذا المعنى بالذات سبق أن كان من المهاجرين أنفسهم المنصوص عليه في قوله تعالى : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ [ الحشر : 8 ] فكانت لهم ديار ، وكانت عندهم أموال وأخرجوا منها كلها ، فلئن كان الأنصار واسوا إخوانهم المهاجرين ببعض أموالهم ، وقاسموهم ممتلكاتهم ، فإن المهاجرين لم ينزلوا عن بعض أموالهم فحسب ، بل تركوها كلها . أموالهم وديارهم وأولادهم وأهلهم ، فصاروا فقراء بعد إخراجهم من ديارهم وأموالهم . ومن يخرج من كل ماله ودياره ويترك أهله وأولاده ، لا يكون أقل تضحية ممن آثر غيره ببعض ماله ، وهو مستقر في أهله ودياره ، فكأن اللّه عوضهم بهذا الفيء عما فات عنهم . وقد ذكر ابن كثير رحمه اللّه : أنه صلى اللّه عليه وسلم قال للأنصار ما يشعر بهذا المعنى ، وهو قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم » فقالوا : يا رسول اللّه أموالنا بيننا قطائع . الحديث « 1 » .
--> ( 1 ) أخرجه عن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم ، ابن كثير في التفسير 4 / 339 .