الشنقيطي
51
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
أي أن الأنصار عرفوا ذلك للمهاجرين ، وعليه أيضا ، فقد استوى المهاجرون مع الأنصار في هذا الوصف المثالي الكريم ، وكان خلقا لكثيرين منهم بعد الهجرة كما فعل الصديق رضي اللّه عنه حين تصدق بكل ماله فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ فقال رضي اللّه عنه : أبقيت لهم اللّه ورسوله « 1 » . وكذلك عائشة الصديقة رضي اللّه عنها . حينما كانت صائمة وليس عندها سوى قرص من الشعير وجاء سائل فقالت لبريرة : ادفعي إليه ما عندك ، فقالت : لها : ليس إلا ما ستفطرين عليه ، فقالت لها : ادفعيه إليه ، ولعلها أحوج إليه الآن ، أو كما قالت . ولما جاء المغرب أهدى إليهم رجل شاة بقرامها - وقرامها هو ما كانت العرب تفعله إذا أرادوا شواء شاة طلوها من الخارج بالعجين حفظا لها من رماد الجمر - فقالت لبريرة : كلي ، هذا خير من قرصك « 2 » . وكما فعل عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه تصدق بالعير وما تحمله من تجارة حين قدمت ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فخرج الناس إليها « 3 » . فعلى هذا ، كان مجتمع المدينة في عهده صلى اللّه عليه وسلم مجتمعا متكافلا بعضهم أولياء بعض ، وقد نوّه صلى اللّه عليه وسلم في قصة غنائم حنين بفضل كلا الفريقين في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار » « 4 » . ومن بعده عمر رضي اللّه عنه قال : وأوصي الخليفة بعدي بالمهاجرين الأولين أن يعرف لهم حقهم ويحفظ لهم كرامتهم . وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوأوا الدار والإيمان ، من قبل أن يقبل من محسنهم ، وأن يعفو عن مسيئهم « 5 » ثم كان هذا خلق المهاجرين والأنصار جميعا ، كما وقع في وقعة اليرموك ، قال حذيفة العدوي : انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي ، ومعي شيء من الماء وأنا أقول : إن كان به رمق سقيته ، فإذا أنا به فقلت له : أسقيك ؟ فأشار برأسه أن نعم ، فإذا
--> ( 1 ) أخرجه عن عمر بن الخطاب : الترمذي في المناقب حديث 3675 ، والدارمي في الزكاة ، باب الرجل يتصدق بجميع ما عنده . ( 2 ) أخرجه عن عائشة ، مالك في الصدقة حديث 5 . ( 3 ) أخرجه عن أنس بن مالك ، أحمد في المسند 6 / 115 . ( 4 ) أخرجه عن عبد اللّه بن زيد : البخاري في التمني حديث 7245 ، ومسلم في الزكاة حديث 139 . ( 5 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1392 و 3700 ، والتفسير حديث 4888 .