الشنقيطي
44
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بكتاب اللّه ، ومصداق ذلك قوله تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 - 4 ] . وقد قال السيوطي : الوحي وحيان : وحي أمرنا بكتابته ، وتعبدنا بتلاوته ، وهو القرآن الكريم . ووحي لم نؤمر بكتابته ، ولم نتعبد بتلاوته وهو السنة . وقد عمل بذلك سلف الأمة وخلفها ، كما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال في مجلسه بالمسجد النبوي : لعن اللّه في كتابه الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة ، فقالت امرأة قائمة عنده ، وفي كتاب اللّه ؟ قال : نعم ، قالت : لقد قرأته من دفته إلى دفته ، فلم أجد هذا الذي قلت ، فقال لها : لو كنت قرأتيه لوجدتيه ، أو لم تقرئي قوله تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] . وقد لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الواصلة والمستوصلة « 1 » ، ومن لعنها رسول اللّه فقد لعنها ، فقالت له : لعل بعض أهلك يفعله ؟ فقال لها : ادخلي وانظري فدخلت بيته ثم خرجت ولم تقل شيئا ، فقال لها : ما رأيت ؟ قالت : خيرا ، وانصرفت . وجاء الشافعي وقام في أهل مكة . فقال : سلوني يا أهل مكة عما شئتم أجبكم عنه من كتاب اللّه . فسأله رجل عن المحرم يقتل الزنبور ، ماذا عليه في كتاب اللّه . فقال : يقول اللّه تعالى : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [ الحشر : 7 ] وقال صلى اللّه عليه وسلم : « عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين » « 2 » الحديث ، وحدثني فلان عن فلان ، وساق بسنده إلى عمر بن الخطاب ، سئل : المحرم يقتل الزنبور ماذا عليه ، فقال لا شيء عليه « 3 » . فقد اعتبر سعيد بن المسيب السنة من كتاب اللّه ، والشافعي اعتبر سنة الخلفاء الراشدين من سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وسنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من القرآن ، واعتبر كل منهما جوابه من كتاب اللّه بناء على هذه الآية الكريمة .
--> ( 1 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في النكاح حديث 5025 ، ومسلم في اللباس والزينة حديث 118 . ( 2 ) سبق تخريجه . ( 3 ) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ، كتاب الحج 5 / 212 .