الشنقيطي
45
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وهذا ما عليه الأصوليون يخصصون بها عموم الكتاب ، ويقيدون مطلقه . فمن الأول : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أحلت لنا ميتتان ودمان . أما الميتتان فالجراد والحوت ، وأما الدمان : فالكبد والطحال » « 1 » فخص بهذا الحديث عموم قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [ المائدة : 3 ] ، وكذلك في النكاح : « لا تنكح المرأة على عمتها ولا المرأة على خالتها » « 2 » ، وخص بها عموم : وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [ النساء : 24 ] ، ونحوه كثير . ومن الثاني : قطعه صلى اللّه عليه وسلم يد السارق من الكوع تقييدا لمطلق فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما [ المائدة : 38 ] ، وكذلك مسح الكفين في التيمم تقييدا أو بيانا لقوله تعالى : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ [ المائدة : 6 ] ، ونحو ذلك كثير ، وكذلك بيان المجمل كبيان مجمل قوله تعالى : وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [ البقرة : 43 ] فلم يبين عدد الركعات لكل وقت ، ولا كيفية الأداء ، فصلى صلى اللّه عليه وسلم على المنبر وهم ينظرون ، ثم قال لهم : « صلوا كما رأيتموني أصلي » « 3 » وحج وقال لهم : « خذوا عني مناسككم » « 4 » . وقد أجمعوا على أن السنة أقوال وأفعال وتقرير ، وقد ألزم العمل بالأفعال قوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] ، والتأسي يشمل القول والفعل ، ولكنه في الفعل أقوى ، والتقرير مندرج في الفعل ، لأنه ترك الإنكار على أمر ما ، والترك فعل عند الأصوليين ، كما قال صاحب مراقي السعود . * والترك فعل في صحيح المذهب * تنبيه تنقسم أفعاله صلى اللّه عليه وسلم إلى عدة أقسام : أولا : ما كان يفعله بمقتضى الجبلة ، وهو متطلبات الحياة من أكل وشرب ولبس ونوم ، فهذا كله يفعله استجابة لمتطلبات الحياة ، وكان يفعله قبل البعثة ويفعله كل
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه عن أبي هريرة : البخاري في النكاح حديث 5109 و 5110 ، ومسلم في النكاح حديث 36 و 37 . ( 3 ) سبق تخريجه . ( 4 ) سبق تخريجه .