الشنقيطي
416
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فيه النص على أن عملهم في الدنيا سبب في تمتعهم بنعيم الجنة في الآخرة ، ومثله قوله تعالى : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الأعراف : 43 ] . وجاء في الحديث : « لن يدخل أحدكم الجنة بعمله » « 1 » ، ولا معارضة بين النصين ، إذ الدخول بفضل من اللّه وبعد الدخول يكون التوارث وتكون الدرجات ويكون التمتع بسبب الأعمال . فكلهم يشتركون في التفضل من اللّه عليهم بدخول الجنة ، ولكنهم بعد الدخول يتفاوتون في الدرجات بسبب الأعمال . قوله تعالى : إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [ 44 ] . في الآية التي قبلها قال تعالى : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ المرسلات : 43 ] . وهنا قال : نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ، ولم يقل نجزي العاملين ، مما يشعر بأن الجزاء إنما هو على الإحسان في العمل لا مجرد العمل فقط ، وتقدم أن الغاية من التكليف ، إنما هي الإحسان في العمل تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الملك : 1 - 2 ] . وتقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه بيان ذلك في سورة الكهف عند قوله تعالى : إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [ الكهف : 7 ] . قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ [ 48 ] . هذه الآية الكريمة من آيات الاستدلال على أن الكفار مؤاخذون بترك الفروع ، وتقدم التنبيه على ذلك مرارا ، والمهم هنا أن أكثر ما يأتي ذكره من الفروع هي الصلاة مما يؤكد أنها هي بحق عماد الدين . قوله تعالى : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [ 50 ] . أي بعد هذا القرآن الكريم لما فيه من آيات ودلائل ومواعظ كقوله تعالى : فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ [ الجاثية : 6 ] . وقد بين تعالى أنه نزله أحسن الحديث هدى في قوله تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ
--> ( 1 ) سبق تخريجه .