الشنقيطي

411

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا [ 29 ] . السبيل هنا منكر ، ولكنه معين بقوله : إِلى رَبِّهِ ، لأن السبيل إلى ربه هو السبيل المستقيم . كما قال تعالى : قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [ الأنعام : 151 ] وفي النهاية قال : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [ الأنعام : 153 ] ، وهو الصراط المستقيم الذي دعا إليه صلى اللّه عليه وسلم . كما في قوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الشورى : 52 - 53 ] وهو القرآن الكريم كما تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في قوله تعالى : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ [ الفاتحة : 6 ] ، وقد بين تعالى أنه القرآن كله في قوله تعالى ألم ( 1 ) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 1 - 2 ] بعد قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ، كأنه قال : الهادي إلى الصراط المستقيم المنوه عنه في الفاتحة : هو القرآن الكريم هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [ البقرة : 2 - 3 ] إلى آخر الصفات ، فيكون السبيل هنا معلوما . وقوله تعالى قبلها : إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ مشعر بأن السبيل عن طريق التذكر فيها والاتعاظ بها . وقوله : فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ، علق اتخاذ السبيل إلى اللّه على مشيئة من شاء ، وقيدها ربط مشيئة العبد بمشيئة اللّه تعالى في قوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الإنسان : 30 ] ، وهذه مسألة القدر . وقد تقدم للشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه بحثها بحثا وافيا عند قوله تعالى أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ يونس : 99 ] في يونس وأحال على النساء . إلا أن قوله تعالى في التذييل على الآية الكريمة بقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً أن كل ما يقع في هذا الكون من سلوك وأعمال أنه بعلم من اللّه وحكمة .