الشنقيطي

400

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ومن المناسبات ليلة القدر لبدء نزول القرآن فيها لقوله تعالى : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] ثم بين تعالى مقدارها بقوله : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ القدر : 3 ] وبين خواصها بقوله : تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ( 4 ) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [ القدر : 4 - 5 ] . الحفاوة بها لقد بين صلى اللّه عليه وسلم بقوله : « التمسوها في العشر الأواخر ، وفي الوتر من العشر الأواخر » « 1 » ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يعتكف العشر كلها التماسا لتلك الليلة ، فكان يحييها قائما في معتكفه ، كما جاء في الحديث « وإذا جاء العشر شد مئزره وطوى فراشه وأيقظ أهله » « 2 » فلم يكن يمرح ولا يلعب ولا حتى نوم بل اجتهاد في العبادة . وكذلك شهر رمضان بكامله لكونه أنزل فيه القرآن أيضا ، كما تقدمت الإشارة إليه ، فكان تكريمه بصوم نهاره وقيام ليله لا بالملاهي واللعب والحفلات ، كما له بعض صار يعد الناس وسائل ترفيه خاصة ، فيعكس فيه القصد ويخالف المشروع . ومن المناسبات يوم عاشوراء ، لقد كان له تاريخ قديم وكانت العرب تعظمه في الجاهلية وتكسو فيه الكعبة ، ولما قدم صلى اللّه عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومونه فقال لهم : « لم تصومونه » ؟ فقالوا : يوما نجى اللّه فيه موسى من فرعون فصامه شكرا للّه فصمناه . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « نحن أحق بموسى منكم » فصامه وأمر الناس بصيامه « 3 » . إنها مناسبة عظمى نجاة نبي اللّه موسى من عدو اللّه فرعون ، نصرة الحق على الباطل ، ونصر جند اللّه وإهلاك جند الشيطان . وهذا بحق مناسبة يهتم لها كل مسلم . ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم « نحن أحق بموسى منكم » . نحن معشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد » . وقد كان صيامه فرضا حتى نسخ بفرض رمضان ، وهكذا مع عظم مناسبته من إعلاء كلمة اللّه ونصرة رسوله ، كان ابتهاج موسى عليه السلام به في صيامه شكرا للّه .

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : البخاري في الصوم حديث 2016 ، ومسلم في الصيام حديث 213 ، وأخرجه عن عائشة : البخاري في الصوم حديث 2017 . ( 2 ) أخرجه عن عائشة : البخاري في الصوم حديث 2024 ، ومسلم في الصيام حديث 7 . ( 3 ) أخرجه عن ابن عباس : البخاري في الصوم حديث 2004 ، ومسلم في الصيام حديث 127 و 128 .