الشنقيطي

352

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

الثانية : زيارة الرسول صلى اللّه عليه وسلم والسلام عليه من قريب بدون شد الرحال ، وهذا أيضا مجمع عليه . الثالثة : شد الرحال للزيارة فقط . وهذه الحالة الثالثة هي محل البحث عندهم ومثار النقاش السابق . قال ابن حجر في فتح الباري على حديث شد الرحال : قال الكرماني : وقد وقع في هذه المسألة في عصرنا في البلاد الشامية مناظرات كثيرة ، وصنفت فيها مسائل من الطرفين . قلت : أي ابن حجر ، يشير إلى ما رد به الشيخ تقي الدين السبكي وغيره على الشيخ تقي الدين بن تيمية ، وما انتصر به الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي وغيره لا بن تيمية وهي مشهورة في بلادنا . اه ، وهذا يعطينا مدى الخلاف فيها وتاريخه . وقد أشار ابن حجر إلى مجمل القول فيها بقوله : إن الجمهور أجازوا بالإجماع شد الرحال لزيارة النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإن حديث « لا تشد الرحال » إنما يقصد به خصوص الصلاة ، وليس مكان أولى من مكان بالصلاة تشد له الرحال إلا المساجد الثلاثة لما خصت من فضيلة مضاعفة الصلاة فيها . والشيخ تقي الدين جعل موضوع النهي عن شد الرجال عاما للصلاة وغيرها . واعترض عليه باتفاق الأمة على جواز شد الرحال لأي مكان لعدة أمور كما هو معلوم . ومما استدل به على عدم شد الرحال لمجرد الزيارة ، ما روي عن مالك كراهية أن يقال زرت قبر النّبي صلى اللّه عليه وسلم . وأجيب عن ذلك : بأن كراهية مالك للفظ فقط تأدبا لا أنه كره أصل الزيارة ، فإنها من أفضل الأعمال وأجل القربات الموصلة إلى ذي الجلال ، وأن مشروعيتها محل إجماع بلا نزاع . واللّه الهادي إلى الصواب اه . ولعل مذهب البخاري حسب صنيعه هو مذهب الجمهور ، لأنه أتى في نفس الباب بعد حديث شد الرحال مباشرة بحديث « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه » مما يشعر بأنه قصد بيان موجب شد الرحال هو فضيلة الصلاة فيكون النهي عن شد الرحال مختصا بالمساجد ولأجل الصلاة إلا في تلك المساجد الثلاثة لاختصاصها بمضاعفة الصلاة فيها دون غيرها من بقية المساجد والأماكن الأخرى .