الشنقيطي

353

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد ناقش ابن حجر لفظ الحديث ورجح هذا المذهب حيث قال : قال بعض المحققين قوله « إلا إلى ثلاثة مساجد » المستثنى منه محذوف . فإما أن يقدر عاما فيصير لا تشد الرحال إلى مكان في أي أمر كان إلا إلى الثلاثة . أو أخص من ذلك . لا سبيل إلى الأول لإفضائه إلى سد باب السفر للتجارة وصلة الرحم وطلب العلم وغيرها ، فتعين الثاني . والأولى أن يقدر ما هو أكثر مناسبة وهو لا تشد الرحال إلى مسجد للصلاة فيه إلا إلى الثلاثة . فيبطل بذلك قول : من منع شد الرحال إلى زيارة قبره الشريف صلى اللّه عليه وسلم . وغيره من قبور الصالحين . واللّه أعلم . وقال السبكي الكبير : ليس في الأرض بقعة تفضل لذاتها حتى تشد إليها الرحال غير البلاد الثلاثة . ومرادي بالفضل : ما شهد الشرع باعتباره ورتب عليه حكما شرعيا . أما غيرها من البلاد فلا تشد إليها لذاتها ، بل لزيارة أو جهاد أو علم أو نحو ذلك من المندوبات أو المباحات . قال : وقد التبس ذلك على بعضهم ، فزعم أن شد الرحال إلى الزيارة لمن في غير الثلاثة داخل في المنع وهو خطأ ، لأن الاستثناء إنما يكون من جنس المستثنى منه . فمعنى الحديث : لا تشد الرحال إلى مسجد من المساجد أو إلى مكان من الأمكنة لأجل ذلك المكان إلا إلى الثلاثة المذكورة . وشد الرحال إلى زيارة أو طلب ليس إلى المكان بل إلى من في ذلك المكان . واللّه أعلم اه . وبتأمل كلام ابن حجر ، نجده يتضمن إجراء معادلة على نص الحديث بأن له حالتين فقط . الأولى : أن يقال لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة لخصوص الصلاة ولا تشد لغيرها من الأماكن لأجل الصلاة ، فيكون النهي منصبا على شد الرحال لأي مكان سوى المساجد الثلاثة من أجل أن يصلي فيما عداها . فيبقى غير الصلاة خارجا عن النهي فتشد له الرحال لأي مكان كان . وغير الصلاة يشمل طلب العلم والتجارة والنزهة والاعتبار والجهاد ونحو ذلك ، والنصوص في ذلك كله متضافرة . ففي طلب العلم ما قدمنا من نصوص ، وقد رحل نبي اللّه موسى إلى الخضر ، كما قال تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ( 60 ) إلى قوله : لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً إلى قوله : قالَ لَهُ مُوسى هَلْ