الشنقيطي
255
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
لمن بيده مقاليد الأمور سبحانه ، وتدبير شؤون الخلق كما في قوله تعالى : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ * ثم قال : يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الشورى : 12 ] ، أي يبسط ويقدر ، يعلم لا عن نقص ولا حاجة ، ولكن يعلم بمصالح عباده ، اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ [ الشورى : 19 ] أي يعاملهم بلطفه وهو قوي على أن يرزق الجميع رزقا واسعا ، وهو العزيز في ملكه ، فهو يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، كما قال تعالى : اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ [ الرعد : 26 ] أي بمقتضى اللطف والعلم وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [ هود : 6 ] . ومن هذا كله يرد على أولئك الذين يطلبون عند غيره الرزق ، كما في قوله : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ [ النحل : 73 ] . وقد جمع الأمرين توبيخهم وتوجيههم في قوله تعالى : إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ العنكبوت : 17 ] . وقد بين تعالى قضية الخلق والرزق والعبادة كلها في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ الذاريات : 57 - 58 ] . وقد بين تعالى في الآيات المتقدمة أنه يرزق العباد من السماوات والأرض جملة . وبين في آيات أخرى كيفية هذا الرزق تفصيلا مما يعجز الخلق عن فعله ، وذلك في قوله تعالى : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ( 24 ) أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ( 25 ) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ( 26 ) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ( 27 ) وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ [ عبس : 24 - 32 ] . فجميع أنواع الرزق في ذلك ابتداء من إنزال الماء من السماء ، ثم ينشأ عنه إشقاق الأرض عن النبات بأنواعه حبا وعنبا وزيتونا ونخلا وحدائق وفاكهة ، وكلها للإنسان ، وقضبا وأبا للأنعام ، والأنعام أرزاق أيضا لحما ولبنا ، وجميع ذلك قوامه