الشنقيطي

25

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فعلى القول الأول بأنه الأمر الذي هو ضد النهي ، فإن الأمر المذكور ، هو المصرح به في قوله : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) [ التوبة : 29 ] . وعلى القول بأن واحد الأمور ، فهو ما صرح اللّه به في الآيات الدالة على ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ( 2 ) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ [ الحشر : 2 - 3 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات ، والآية غير منسوخة على التحقيق . ا ه [ من الجزء الأول من الأضواء ] . فقد نص رحمه اللّه على أن آية : فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ مرتبطة بآية : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا هذه كما قدمنا : أن هذا هو الأمر الموعود به ، وقد أتاهم به من حيث لم يحتسبوا ، ويشهد لهذا كله القراءة الثانية فآتاهم بالمد : بمعنى أعطاهم وأنزل بهم ، ويكون الفعل متعديا والمفعول محذوف دل عليه قوله : مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا أي أنزل بهم عقوبة وذلة ومهانة جاءتهم من حيث لم يحتسبوا والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ . منطوقه أن الرعب سبب من أسباب هزيمة اليهود ، ومفهوم المخالفة يدل على أن العكس بالعكس ، أي أن الطمأنينة وهي ضد الرعب ، سبب من أسباب النصر ، وهو ضد الهزيمة . وقد جاء ذلك المفهوم مصرحا به في آيات من كتاب اللّه تعالى ، منها قوله تعالى : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( 18 ) [ الفتح : 18 ] ، ومنها قوله تعالى : لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ( 25 ) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) [ التوبة : 25 - 26 ] ، فقد ولوا مدبرين بالهزيمة ، ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى