الشنقيطي

26

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

المؤمنين ، وأنزل جنودا من الملائكة فكان النّصر لهم ، وهزيمة أعدائهم المشار إليها بقوله تعالى : وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي بالقتل والسبي في ذلك اليوم . ومنها قوله تعالى : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 40 ) [ التوبة : 40 ] . وهذا الموقف آية من آيات اللّه ، اثنان أعزلان يتحديان قريشا بكاملها ، بعددها وعددها ، فيخرجان تحت ظلال السيوف ، ويدخلان الغار في سدفة الليل ، ويأتي الطلب على فم الغار بقلوب حانقة ، وسيوف مصلتة ، وآذان مرهفة حتى يقول الصديق رضي اللّه عنه : واللّه يا رسول اللّه لو نظر أحدهم تحت نعليه لأبصرنا ، فيقول صلى اللّه عليه وسلم وهو في غاية الطمأنينة ، ومنتهى السكينة « ما بالك باثنين اللّه ثالثهما » « 1 » ؟ ومنها ، وفي أخطر المواقف في الإسلام ، في غزوة بدر ، حيثما التقى الحق بالباطل وجها لوجه ، جاءت قوى الشر في خيلائها وبطرها وأشرها ، وأمامها جند اللّه في تواضعهم وإيمانهم وضراعتهم إلى اللّه فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ ( 11 ) [ الأنفال : 9 - 11 ] . فما جعل اللّه الإمداد بالملائكة إلا لتطمئن به قلوبهم ، وما غشاهم النعاس إلا أمنة منه ، وتم كل ذلك بما ربط على قلوبهم ، فقاوموا بقتلهم قوى الشر على كثرتهم ، وتم النصر من عند اللّه بمدد من اللّه ، كما ربط على قلوب أهل الكهف : وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهاً لَقَدْ قُلْنا إِذاً شَطَطاً ( 14 ) [ الكهف : 14 ] . هذه آثار الطمأنينة والسكينة والربط على القلوب المدلول عليه بمفهوم المخالفة من قوله تعالى : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي

--> ( 1 ) أخرجه عن أبي بكر الصديق : البخاري في فضائل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم حديث 3653 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3096 .