الشنقيطي

233

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

فعلى الوقف الأول يكون درج صالح المؤمنين بين جبريل وبين الملائكة تنبيها على علو منزلة صالح المؤمنين ، وبيان منزلتهم من عموم الملائكة بعد جبريل ، وعلى الوقف الثاني فيه عطف جبريل على لفظ الجلالة في الولاية بالواو ، وليس فيه ما يوهم التعارض مع الحديث في ثم إذ محل العطف هو الولاية ، وهي قدر ممكن من الخلق ومن اللّه تعالى كما في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ( 62 ) [ الأنفال : 62 ] لأن النصر يكون من اللّه ويكون من العباد ، من باب الأخذ بالأسباب إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [ التوبة : 40 ] . وكما في قوله تعالى : وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ الحشر : 8 ] . وقوله : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ [ آل عمران : 52 ] بخلاف سياق الحديث ، فقد كان في موضوع المشيئة حينما قال الأعرابي : ما شاء اللّه وشئت . فقال له صلى اللّه عليه وسلم : « أجعلتني للّه ندا ؟ قل ما شاء اللّه وحده » « 1 » لأن حقيقة المشيئة للّه تعالى وحده كما في قوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ التكوير : 29 ] . وكقوله : بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً [ الرعد : 31 ] . وكقوله : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ [ الروم : 4 ] . ومن اللطائف في قوله تعالى : وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ إلى آخر ما سمعته من الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه ، أنه قال : إن المتظاهرتين على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم امرأتان فقط تآمرتا عليه فيما بينهما ، فجاء بيان الموالين له ضدهما كل من ذكر في الآية . فإن اللّه هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة ، ما يدل على عظم كيدهن وضعف الرجال أمامهن ، وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى : إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ( 28 ) [ يوسف : 28 ] ، بينما قال في كيد الشيطان : إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ( 76 ) [ النساء : 76 ] . وقد عبر الشاعر عن ذلك بقوله : ما استعظم الإله كيدهنه * إلا لأنّهن هن هنه قوله تعالى : عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [ 5 ] .

--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس أحمد في المسند 1 / 214 ، 224 ، 283 ، 347 .