الشنقيطي

104

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

من محاضراته ومن الأضواء نفسه ، وبشرط ما قاله الشيخ رحمة اللّه تعالى عليه من سلامة الداخل أي عدم الميل بالقلب ، ولو قيل بشرط آخر وهو مع عدم وجود تلك المصلحة عند المسلمين أنفسهم ، أي أن العالم الإسلامي يتعاون أولا مع بعضه ، فإذا أعوزه أو بعض دوله حاجة عند غير المسلمين ممن لم يقاتلوهم ولم يظاهروا عدوا على قتالهم فلا مانع من التعاون مع تلك الدولة في ذلك ، ومما يؤيد كل ما تقدم عمليا معاملة النّبي صلى اللّه عليه وسلم وخلفائه من بعده لليهود في خيبر . فمما لا شك فيه أنهم داخلون أولا في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ [ الممتحنة : 1 ] . ومنصوص على عدم موالاتهم في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ المائدة : 51 ] . ومع ذلك لما أخرجهم صلى اللّه عليه وسلم من المدينة وحاصرهم بعدها في خيبر وفتحها اللّه عليه وأصبحوا في قبضة يده فلم يكونوا بعد ذلك في موقف المقاتلين ، ولا مظاهرين على إخراج المسلمين من ديارهم . عاملهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالقسط فعاملهم على أرض خيبر ونخيلها وأبقاهم فيها على جزء من الثمرة كأجراء يعملون لحسابه وحساب المسلمين ، فلم يتخذهم عبيدا يسخرهم فيها ، وبقيت معاملتهم بالقسط كما جاء في قصة ابن رواحة رضي اللّه عنه لما ذهب . يخرص عليهم وعرضوا عليه ما عرضوا من الرشوة ليخفف عنهم ، فقال لهم كلمته المشهورة : واللّه لأنتم أبغض الخلق إلي وجئتكم من عند أحب الخلق إليّ ، ولن يحملني بغضي لكم ، ولا حبي له أن أحيف عليكم ، فإما أن تأخذوا بنصف ما قدرت ، وإما أن تكفوا أيديكم ولكم نصف ما قدرت ، فقالوا له : بهذا قامت السماوات والأرض أي بالعدالة والقسط ، وقد بقوا على ذلك نهاية زمنه صلى اللّه عليه وسلم وخلافة الصديق وصدرا من خلافة عمر حتى أحلاهم عنها « 1 » . ومثل ذلك المؤلفة قلوبهم أعطاهم صلى اللّه عليه وسلم بعد الفتح وأعطاهم الصديق حتى منعهم عمر رضي اللّه عنه . وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة لأهميتها ومسيس الحاجة إليها اليوم .

--> ( 1 ) أخرجه : مالك في المساقاة حديث 2 ، وأحمد في المسند 3 / 367 .