الشنقيطي
105
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وفي الختام إن أشد ما يظهر وضوحا في هذا المقام ولم يدّع أحد فيه نسخا قوله تعالى : وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً [ لقمان : 15 ] . فهذه حسن معاملة وبر وإحسان لمن جاهد المسلم على أن يشرك باللّه ولم يقاتل المسلمين ، فكان حق الأبوة مقدما ولو مع الكفر والمجاهدة على الشرك . وكذلك أيضا في نهاية هذه السورة نفسها قوله تعالى : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [ الممتحنة : 10 ] . ثم قال تعالى : وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا [ الممتحنة : 10 ] أي آتوا المشركين أزواج المؤمنات المهاجرات ما أنفقوا على أزواجهم بعد هجرتهن . فبعد أن أسلمت الزوجة وهاجرت وانحلت العصمة بينها وبين زوجها الكافر ، وبعدت عنه بالهجرة وفاتت عليه ولم يقدر عليها ، يأمر اللّه المسلمين أن يؤتوا أزواجهن وهم مشركون ، ما أنفقوا من صداق عند الزواج ونحوه مع بقاء الأزواج على الكفر وعجزهم عن استرجاع الزوجات وعدم جواز موالاتهم قطعا لكفرهم ، وهذا من المعاملة بالقسط والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ 10 ] . في قوله تعالى : إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ نص على امتحان المؤمنات المهاجرات ، وكان صلى اللّه عليه وسلم يمتحنهن : ما خرجت كرها لزوج أو فرارا لسبب ونحو ذلك . ذكره ابن كثير وغيره . وقيل : كان امتحانهن بالبيعة الآتية : ألا يشركن باللّه شيئا ولا يسرقن الآية ، ومفهومه أن الرجال المهاجرون لا يمتحنون . وفعلا لم يكن النّبي صلى اللّه عليه وسلم يمتحن من هاجر إليه والسبب في امتحانهن دون الرجال ، هو ما أشارت إليه هذه الآية في قوله تعالى : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ ، كأن الهجرة وحدها لا تكفي في حقهن بخلاف الرجال ، فقد شهد اللّه لهم بصدق إيمانهم