الشنقيطي

502

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهذا الوجه يشهد له قران كقوله تعالى : يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا ( 14 ) [ المزمل : 14 ] ، فقوله : كَثِيباً مَهِيلًا ( 14 ) أي رملا متهايلا ، ومنه قول امرئ القيس : ويوما على ظهر الكثيب تعذرت * عليّ وآلت حلفة لم تحلل ومشابهة الدقيق المبسوس بالرمل المتهايل واضحة ، فقوله : وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا ( 14 ) مطابق في المعنى لتفسير وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) بأن بسها هو تفتيتها وطحنها كما ترى . وما دلت عليه هذه الآيات من أنها تسلب عنها قوة الحجرية وتتصف بعد الصلابة والقوة باللين الشديد الذي هو كلين الدقيق ، والرمل المتهايل يشهد له في الجملة تشبيهها في بعض الآيات بالصوف المنفوش الذي هو العهن ، كقوله تعالى وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5 ) [ القارعة : 5 ] ، وقوله تعالى : يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ( 8 ) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ ( 9 ) [ المعارج : 8 - 9 ] وأصل العهن أخص من مطلق الصوف لأنه الصوف المصبوغ خاصة ؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته : كأن فتاة العهن في كل منزل * نزلن به حب الفنا لم يحطم وقال بعضهم : الجبال منها جدد بيض وحمر ومختلف ألوانها وغرابيب سود ، فإذا بست وفتتت يوم القيامة وطيرت في الجو أشبهت العهن إذا طيرته الريح في الهوى ، وهذا الوجه يدل عليه ترتيب كينونتها هباء منبثا بالفاء على قوله : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) لأن الهباء هو ما ينزل من الكوة من شعاع الشمس إذا قابلتها : مُنْبَثًّا ( 6 ) أي متفرقا ، ووصفها بالهباء المنبث أنسب لتكون البس بمعنى التفتيت والطحن . الوجه الثاني : أن معنى قوله : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) أي سيرت بين السماء والأرض ، وعلى هذا فالمراد ببسها سوقها وتسييرها من قول العرب : بسست الإبل أبسها ، بضم الباء وأبستها أبسها بضم الهمزة وكسر الباء ، لغتان بمعنى سقتها ، ومنه حديث : « يخرج أقوام من المدينة إلى اليمن والشام ، والعراق يبسون والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » « 1 » . وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ [ الكهف : 47 ] الآية ، وقوله وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً ( 10 ) [ الطور : 10 ] . وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [ النمل : 88 ] .

--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 17 / 197 .