الشنقيطي
503
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الوجه الثالث : أن معنى قوله : وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا ( 5 ) نزعت من أماكنها وقلعت ، وقد أوضحنا أن هذا الوجه راجع للوجه الأول مع الإيضاح التام لأحوال الجبال يوم القيامة ، وأطوارها ، بالآيات القرآنية ، وفي سورة طه في الكلام على قوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) [ طه : 105 ] ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ( 6 ) كقوله تعالى : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً ( 20 ) [ النبأ : 20 ] ، والهباء إذا انبث ، أي تفرق ، واضمحل وصار لا شيء ، والسراب قد قال اللّه تعالى فيه : حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً [ النور : 39 ] . قوله تعالى : وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً ( 7 ) [ 7 ] . أي صرتم أزواجا ثلاثة ، والعرب تطلق كان بمعنى صار ، ومنه وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ ( 35 ) [ البقرة : 35 ] أي فتصيرا من الظالمين . ومنه قول الشاعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها * قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها وقوله : أَزْواجاً : أي أصنافا ثلاثة ، ثم بين هذه الأزواج الثلاثة بقوله : فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 8 ) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ( 9 ) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ( 10 ) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ( 11 ) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 12 ) [ الواقعة : 8 - 12 ] أما أصحاب الميمنة فهم أصحاب اليمين ، كما أوضحه تعالى بقوله : وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ ( 27 ) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ( 28 ) [ الواقعة : 27 - 28 ] الآيات ، وأصحاب المشأمة هم أصحاب الشمال كما أوضحه تعالى : بقوله وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ ( 41 ) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ( 42 ) [ الواقعة : 41 - 42 ] الآيات . قال بعض العلماء : قيل لهم أصحاب اليمين لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم . وقيل : لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة . وقيل : لأنهم عن يمين أبيهم آدم ، كما رآهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كذلك ليلة الإسراء . وقيل سموا أصحاب اليمين ، وأصحاب الميمنة لأنهم ميامين ، أي مباركون على أنفسهم ، لأنهم أطاعوا ربهم فدخلوا الجنة ، واليمن البركة . وسمي الآخرون أصحاب الشمال ، وقيل : لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم . وقيل : لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار ، والعرب تسمي الشمال شؤما ، كما تسمي اليمين يمينا ، ومن هنا قيل لهم أصحاب المشأمة أو لأنهم مشائيم على أنفسهم : فعصوا اللّه فأدخلهم النار ، والمشائيم ضد الميامين ، ومنه قول الشاعر : مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا بين غرابها