الشنقيطي
493
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ما تضمنته هذه الآية الكريمة من فناء كل من على الأرض وبقاء وجهه جل وعلا المتصف بالجلال والإكرام ، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، وقوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [ الفرقان : 58 ] . وقوله تعالى كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] إلى غير ذلك من الآيات . والوجه صفة من صفات اللّه العليّ وصف بها نفسه ، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق . وقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة الأعراف ، وفي سورة القتال . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ ( 33 ) [ 33 ] . قد قدمنا الكلام عليه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى : وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ ( 17 ) [ الحجر : 17 ] وتكلمنا أيضا هناك على غيرها من الآيات التي يفسرها الجاهلون بكتاب اللّه بغير معانيها ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى : فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 ) [ 37 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء ستنشق يوم القيامة ، وأنها إذا انشقت صارت وردة كالدهان ، وقوله : وَرْدَةً : أي حمراء كلون الورد ، وقوله كَالدِّهانِ ( 37 ) فيه قولان معروفان للعلماء . الأول منهما : أن الدهان هو الجلد الأحمر ، وعليه فالمعنى أنها تصير وردة متصفة بلون الورد مشابهة للجلد الأحمر في لونه . والثاني : أن الدهان هو ما يدهن به ، وعليه ، فالدهان ، قيل : هو جمع دهن ، وقيل : هو مفرد ، لأن العرب تسمى ما يدهن به دهانا ، وهو مفرد ، ومنه قول امرئ القيس : كأنهما مزادتا متعجل * فريان لما تدهني بدهان وحقيقة الفرق بين القولين أنه على القول بأن الدهان هو الجلد الأحمر ، يكون اللّه وصف السماء عند انشقاقها يوم القيامة بوصف واحد وهو الحمرة فشبهها بحمرة الورد . وحمرة الأديم الأحمر . قال بعض أهل العلم : إنها يصل إليها حر النار فتحمر من شدة الحرارة . وقال بعض أهل العلم : أصل السماء حمراء إلا أنها لشدة بعدها وما دونها من الحواجز لم تصل العيون إلى إدراك لونها الأحمر على حقيقته ، وأنها يوم القيامة ترى على حقيقة لونها .