الشنقيطي

494

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأما على القول بأن الدهان هو ما يدهن به ، فإن اللّه وقد وصف السماء عند انشقاقها بوصفين أحدهما حمرة لونها ، والثاني أنها تذوب وتصير مائعة كالدهن . أما على القول الأول ، فلم نعلم آية من كتاب اللّه تبين هذه الآية ، بأن السماء ستحمر يوم القيامة حتى تكون كلون الجلد الأحمر . وأما على القول الثاني الذي هو أنها تذوب وتصير مائعة ، فقد أوضحه اللّه في غير هذا الموضع وذلك في قوله تعالى في المعارج إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً ( 6 ) وَنَراهُ قَرِيباً ( 7 ) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ ( 8 ) [ المعارج : 6 - 8 ] ، والمهل شيء ذائب على كلا القولين سواء قلنا : إنه دردي الزيت وهو عكره ، أو قلنا إنه الذائب من حديد أو نحاس أو نحوهما . وقد أوضح تعالى في الكهف أن المهل شيء ذائب يشبه الماء شديد الحرارة ، وذلك في قوله تعالى : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 ) [ الكهف : 29 ] . والقول بأن الوردة تشبيه الفرس الكميت وهو الأحمر لأن حمرته تتلون باختلاف الفصول ، فتشتد حمرتها في فصل ، وتميل إلى الصفرة في فصل ، وإلى الغبرة في فصل . وأن المراد بالتشبيه كون السماء عند انشقاقها تتلون بألوان مختلفة واضح البعد عن ظاهر الآية ، وقول من قال : إنها تذهب وتجيء معناه له شاهد في كتاب اللّه ، وذلك في قوله تعالى : يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً ( 9 ) [ الطور : 9 ] الآية ، ولكنه لا يخلو عندي من بعد . وما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من انشقاق السماء يوم القيامة ، جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى : إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ( 1 ) [ الانشقاق : 1 ] وقوله تعالى فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ ( 15 ) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ [ الحاقة : 15 - 16 ] وقوله : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [ الفرقان : 25 ] الآية . وقوله : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ( 1 ) [ الانفطار : 1 ] ، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة ق في الكلام على قوله تعالى : وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) [ ق : 6 ] . قوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) [ 39 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه يوم القيامة لا يسأل إنسا ولا جانا عن ذنبه ، وبين هذا المعنى في قوله تعالى في القصص : وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ( 78 ) [ القصص : 78 ] . وقد ذكر جل وعلا في آيات أخر أنه يسأل جميع الناس يوم القيامة الرسل والمرسل إليهم ، وذلك في قوله تعالى فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ( 6 ) [ الأعراف : 6 ] ، وقوله فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 92 ) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 93 ) [ الحجر : 92 - 93 ] .