الشنقيطي
491
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الصلصال : الطين اليابس الذي تسمع له صلصلة ، أي صوت إذا قرع بشيء ، وقيل الصلصال المنتن ، والفخار الطين المطبوخ ، وهذه الآية بين اللّه فيها طورا من أطوار التراب الذي خلق منه آدم ، فبين في آيات أنه خلقه من تراب كقوله تعالى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [ آل عمران : 59 ] وقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ [ الحج : 5 ] وقوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ( 20 ) [ الروم : 20 ] وقوله تعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ [ غافر : 67 ] وقوله تعالى مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ [ طه : 55 ] . وقد بينا في قوله تعالى فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ وقوله مِنْها خَلَقْناكُمْ أن المراد بخلقهم منها هو خلق أبيهم آدم منها ، لأنه أصلهم وهم فروعه ، ثم إن اللّه تعالى عجن هذا التراب بالماء فصار طينا ، ولذا قال أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ( 61 ) [ الإسراء : 61 ] وقال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ( 12 ) [ المؤمنون : 12 ] وقال تعالى وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ( 7 ) [ السجدة : 7 ] . وقال أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ ( 11 ) [ الصافات : 11 ] وقال تعالى : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ( 71 ) [ ص : 71 ] ثم خمر هذا الطين فصار حما مسنونا ، أي طينا أسود متغير الريح ، كما قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) [ الحجر : 26 ] الآية . قال تعالى إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 28 ) [ الحجر : 28 ] وقال عن إبليس قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 33 ) [ الحجر : 33 ] والمسنون قيل المتغير وقيل المصور وقيل الأملس ، ثم يبس هذا الطين فصار صلصالا . كما قال هنا : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) [ الرحمن : 14 ] وقال وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) [ الحجر : 26 ] . فالآيات يصدق بعضها بعضا ، ويتبين فيها أطوار ذلك التراب كما لا يخفى . قوله وَالْجَانَّ أي وخلق الجان وهو أبو الجن ، وقيل هو إبليس . وقيل : هو الواحد من الجن . وعليه فالألف واللام للجنس ، والمارج : اللهب الذي لا دخان فيه ، وقوله مِنْ نارٍ ( 15 ) بيان لمارج . أي من لهب صاف كائن من النار . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه تعالى خلق الجان من النار ، جاء موضحا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في الحجر وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( 26 ) وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ ( 27 ) [ الحجر : 26 - 27 ] وقوله تعالى قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ( 12 ) [ الأعراف : 12 ] . وقد أوضحنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ