الشنقيطي
490
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صاحب مراقي السعود بقوله : والحكم ما به يجيء الشرع * وأصل كل ما يضر المنع تنبيه اعلم أن علماء الأصول يقولون : إن الإنسان لا يحرم عليه فعل شيء إلا بدليل من الشرع ، ويقولون إن الدليل على ذلك عقليّ ، وهو البراءة الأصلية المعروفة بالإباحة العقلية ، وهي استصحاب العدم الأصليّ حتى يرد دليل ناقل عنه . ونحن نقول : إنه قد دلت آيات من كتاب اللّه على أن استصحاب العدم الأصليّ قبل ورود الدليل الناقل عنه حجة في الإباحة ، ومن ذلك أن اللّه لما أنزل تشديده في تحريم الربا في قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ [ البقرة : 279 ] الآية ، وكانت وقت نزولها عندهم أموال مكتسبة من الربا ، اكتسبوها قبل نزول التحريم ، بين اللّه تعالى لهم أن ما فعلوه من الربا ، على البراءة الأصلية قبل نزول التحريم لا حرج عليهم فيه ، إذ لا تحريم إلا ببيان ، وذلك في قوله تعالى : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ [ البقرة : 275 ] وقوله : ما سلف أي ما مضى قبل نزول التحريم ، ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى : وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [ النساء : 22 ] وقوله تعالى وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ [ النساء : 23 ] والأظهر أن الاستثناء فيهما في قوله : إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ . منقطع أي لكن ما سلف من ذلك قبل نزول التحريم ، فهو عفو ، لأنه على البراءة الأصلية . ومن أصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ [ التوبة : 115 ] لأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لما استغفر لعمه أبي طالب بعد موته على الشرك ، واستغفر المسلمون لموتاهم المشركين عاتبهم اللّه في قوله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [ التوبة : 113 ] الآية . ندموا على الاستغفار لهم ، فبين اللّه لهم أن استغفارهم لهم لا مؤاخذة به ، لأنه وقع قبل بيان منعه ، وهذا صريح فيما ذكرنا . وقد قدمنا أن الأخذ بالبراءة الأصلية يعذر به في الأصول أيضا في الكلام على قوله تعالى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء : 15 ] وبينا هناك كلام أهل العلم في ذلك ، وأوضحنا ما جاء في ذلك من الآيات القرآنية . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) [ 14 - 15 ] .