الشنقيطي

489

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

أن في المسألة ثلاثة مذاهب : المنع ، والإباحة ، والوقف . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : الذي يظهر لي صوابه في هذه المسألة هو التفصيل ، لأن الأعيان التي خلقها اللّه في الأرض للناس بها ثلاث حالات : الأولى : أن يكون فيها نفع لا يشوبه ضرر كأنواع الفواكه وغيرها . الثانية : أن يكون فيها ضرر لا يشوبه نفع كأكل الأعشاب السامة القاتلة . الثالثة : أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى ، فإن كان فيها نفع لا يشوبه ضرر ، فالتحقيق حملها على الإباحة حتى يقوم دليل على خلاف ذلك لعموم قوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [ البقرة : 29 ] . وقوله وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ ( 10 ) [ الرحمن : 10 ] الآية . وإن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع فهي على التحريم لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا ضرر ولا ضرار » . وإن كان فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى فلها ثلاث حالات : الأولى : أن يكون النفع أرجح من الضرر . والثانية : عكس هذا . والثالثة : أن يتساوى الأمران . فإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويا له فالمنع لحديث « لا ضرر ولا ضرار » ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ، وإن كان النفع أرجح ، فالأظهر الجواز ، لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة ، كما أشار له في مراقي السعود بقوله : * وألغ إن يك الفساد أبعدا * * أو رجح الإصلاح كالأسارا تفدى بما ينفع للنصارا * وانظر تدلي دولي العنب في كل مشرق وكل مغرب ومراده : تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة ، أو البعيدة ممثلا له بمثالين : الأول منهما : أن تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة قدمت على المفسدة المرجوحة ، التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى . الثاني : أن انتفاع الناس بالعنب والزبيب ، مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب ، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه ، لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة ، وهذا التفصيل الذي اخترنا ، قد أشار له