الشنقيطي

462

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

ولا شك أن القرآن الذي هو كلام اللّه أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم الأرض . والعلم عند اللّه تعالى . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى ( 2 ) ، قال بعض العلماء : الضلال يقع من الجهل بالحق ، والغيي هو العدول عن الحق مع معرفته ، أي ما جهل الحق وما عدل عنه ، بل هو عالم بالحق متبع له . وقد قدمنا إطلاقات الضلال في القرآن بشواهدها العربية في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى : قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ( 20 ) [ الشعراء : 20 ] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا ( 103 ) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ [ الكهف : 103 - 104 ] الآية . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه صلّى اللّه عليه وسلّم على هدى مستقيم ، جاء موضحا في آيات كثيرة ، من كتاب اللّه كقوله تعالى : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ( 79 ) [ النمل : 79 ] وقوله تعالى فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ ( 67 ) [ الحج : 67 ] وقوله تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) [ الشورى : 52 ] . وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى : فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 43 ) [ الزخرف : 43 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) استدل به علماء الأصول على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن يجتهد ، والذين قالوا إنه قد يقع منه الاجتهاد ، استدلوا بقوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [ التوبة : 43 ] الآية . وقوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ الأنفال : 67 ] الآية . وقوله تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 113 ] الآية . قالوا : فلو لم يكن هذا عن اجتهاد ، لما قال عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ الآية . ولما قال : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى ، ولا منافاة بين الآيات ، لأن قوله : إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ( 4 ) معناه أن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم لا يبلغ عن اللّه إلا شيئا أوحى اللّه إليه أن يبلغه ، فمن يقول : إنه شعر أو سحر أو كهانة ، أو أساطير الأولين هو أكذب خلق اللّه وأكفرهم ، ولا ينافي ذلك أنه أذن للمتخلفين عن غزوة تبوك ، وأسر الأسارى يوم بدر ، واستغفر لعمه أبي طالب من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك ، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع . قوله تعالى : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ( 5 ) [ 5 ] . المراد بشديد القوى في هذه الآية : هو جبريل عليه السلام ، والمعنى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم علمه هذا الوحي . ملك شديد القوى هو جبريل .