الشنقيطي
463
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وهذه الآية الكريمة قد تضمنت أمرين : أحدهما : أن هذا الوحي الذي من أعظمه هذا القرآن العظيم ، علمه جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلم بأمر من اللّه . والثاني : أن جبريل شديد القوة . وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع . أما الأول منهما وهو كون جبريل نزل عليه بهذا الوحي وعلمه إياه ، فقد جاء موضحا في آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى : قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 97 ] الآية . وقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) [ الشعراء : 192 - 194 ] . وقوله تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [ طه : 114 ] . وقوله تعالى : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) [ القيامة : 16 - 18 ] أي إذا قرأه عليك الملك المرسل به إليك منا مبلغا له عنا فاتبع قرآنه ، أي اقرأ كما سمعته يقرأ . وأما الأمر الثاني ، وهو شدة قوة جبريل النازل بهذا الوحي ، فقد ذكره في قوله : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) [ التكوير : 19 - 20 ] . وقوله في آية التكوير هذه : لَقَوْلُ رَسُولٍ أي لقوله المبلغ له عن اللّه ، فقرينة ذكر الرسول تدل على أنه إنما يبلغ شيئا أرسل به ، فالكلام كلام اللّه بألفاظه ومعانيه ، وجبريل مبلغ عن اللّه ، وبهذا الاعتبار نسب القول له . لأن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما سمعه إلا منه ، فهو القول الذي أرسله اللّه به ؛ وأمره بتبليغه ، كما تدل عليه قرينة ذكر الرسول ، وسيأتي إيضاح هذه المسألة إن شاء اللّه في سورة التكوير . والعلم عند اللّه تعالى . قوله تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ 17 ] . قد قدمنا بعض الكلام عليه في أول سورة الإسراء . قوله تعالى : أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) [ 21 - 22 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ [ النحل : 57 ] الآية ، وفي مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك . قوله تعالى : فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى ( 25 ) [ 25 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن له الآخرة والأولى وهي الدنيا ، وبيّن هذا في غير هذا الموضع كقوله إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى ( 12 ) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 ) [ الليل : 12 - 13 ] وبين في موضع آخر أن له كل شيء ، وذلك في قوله : إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها