الشنقيطي

461

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقيل : النجم النبات الذي لا ساق له . وقال بعض أهل العلم : المراد بالنجم الجملة النازلة من القرآن ، فإنه نزل على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنجما منجما في ثلاث وعشرين سنة ، وكل جملة منه وقت نزولها يصدق عليها اسم النجم صدقا عربيا صحيحا كما يطلق على ما حان وقته من الدية المنجمة على العاقلة ، والكتابة المنجمة على العبد المكاتب . وعلى هذا فقوله : إِذا هَوى ( 1 ) ، أي نزل به الملك من السماء إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقوله هَوى ( 1 ) يهوي هويا إذا اخترق الهوى نازلا من أعلا إلى أسفل . اعلم أولا أن القول بأنه الثريا وأن المراد بالنجم خصوصها ، وإن اختاره ابن جرير وروي عن ابن عباس وغير واحد ، ليس بوجيه عندي . والأظهر أن النجم يراد به النجوم . وإن قال ابن جرير بأنه لا يصح ، والدليل على ذلك جمعه تعالى للنجوم في القسم في قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ ( 75 ) [ الواقعة : 75 ] ، لأن الظاهر أن المراد بالنجم إذا هوى هنا ، كالمراد بمواقع النجوم في الواقعة . وقد اختلف العلماء أيضا في المراد بمواقع النجوم فقال بعضهم : هي مساقطها إذا غابت . وقال بعضهم : انتثارها يوم القيامة . وقال بعضهم : منازلها في السماء ، لأن النازل في محل واقع فيه . وقال بعضهم : هي مواقع نجوم القرآن النازل بها الملك إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم . قال مقيده عفا اللّه عنه وغفر له : أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري ، أن المراد بالنجم إذا هوى هنا في هذه السورة ، وبمواقع النجوم في الواقعة هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجما فنجما ، وذلك لأمرين أحدهما أن هذا الذي أقسم اللّه عليه بالنجم إذا هوى الذي هو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على حق وأنه ما ضلّ وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى موافق في المعنى لما أقسم عليه بمواقع النجوم ، وهو قوله : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ( 77 ) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ ( 78 ) - إلى قوله - تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 80 ) [ الواقعة : 77 - 80 ] . والإقسام بالقرآن على صحة رسالة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعلى صدق القرآن العظيم وأنه منزل من اللّه جاء موضحا في آيات من كتاب اللّه كقوله تعالى : يس ( 1 ) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ( 2 ) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 3 ) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 4 ) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 5 ) [ يس : 1 - 5 ] . وقوله تعالى : حم ( 1 ) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ ( 2 ) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ( 3 ) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ( 4 ) [ الزخرف : 1 - 4 ] وخير ما يفسر به القرآن القرآن . والثاني : أن كون المقسم به المعبر بالنجوم ، هو القرآن العظيم أنسب لقوله بعده : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ( 76 ) [ الواقعة : 76 ] ، لأن هذا التعظيم من اللّه يدل على أن هذا المقسم به في غاية العظمة .