الشنقيطي
452
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وأما الأول منهما وهو كونهم يدفعون إلى النار بقوة فقد ذكره اللّه جل وعلا في آيات من كتابه كقوله تعالى : خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ( 47 ) [ الدخان : 47 ] أي جروه بقوة وعنف إلى وسط النار . والعتل في لغة العرب : الجر بعنف وقوة ، ومنه قول الفرزدق : ليس الكرام بنا حليك أباهم * حتى ترد إلى عطية تعتل وقوله تعالى : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ( 41 ) [ الرحمن : 41 ] أي تجمع الزبانية بين ناصية الواحد منهم ، أي مقدم شعر رأسه وقدمه ، ثم تدفعه في النار بقوة وشدة . وقد بين جل وعلا أنهم أيضا يسحبون في النار على وجوههم في آيات من كتابه كقوله تعالى : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ ( 48 ) [ القمر : 48 ] ، وقوله تعالى : الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 70 ) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ( 71 ) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ( 72 ) [ غافر : 70 - 72 ] . وقوله : في هذه الآية الكريمة : يوم يدعون ، بدل من قوله : يومئذ ، في قوله تعالى قبله فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) [ الطور : 11 ] . قوله تعالى : اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ 16 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار معذبون في النار لا محالة ، سواء صبروا أو لم يصبروا ، فلا ينفعهم في ذلك صبر ولا جزع ، وقد أوضح هذا المعنى في قوله : قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ( 21 ) [ إبراهيم : 21 ] . قوله تعالى : كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 ) [ 21 ] . ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الناس ، وقد بين تعالى في آيات أخر أن أصحاب اليمين خارجون من هذا العموم ، وذلك في قوله تعالى : كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ( 38 ) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ ( 39 ) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ ( 40 ) عَنِ الْمُجْرِمِينَ ( 41 ) [ المدثر : 38 - 41 ] . ومن المعلوم أن التخصيص بيان ، كما تقرر في الأصول . قوله تعالى : وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) [ 22 ] . لم يذكر هنا شيء من صفات هذه الفاكهة ولا هذا اللحم إلا أنه مما يشتهون . وقد بين صفات هذه الفاكهة في مواضع أخر كقوله تعالى : وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ ( 32 ) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ ( 33 ) [ الواقعة : 32 - 33 ] وبين أنها أنواع في مواضع أخر كقوله : وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ