الشنقيطي
453
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الثَّمَراتِ [ محمد صلّى اللّه عليه وسلم : 15 ] وقوله تعالى كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً [ البقرة : 25 ] الآية . وقوله تعالى أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ( 41 ) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ( 42 ) [ الصافات : 41 - 42 ] إلى غير ذلك من الآيات . ووصف اللحم المذكور بأنه من الطير ، والفاكهة بأنها مما يتخيرونه على غيره ، وذلك في قوله وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ ( 20 ) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 21 ) [ الواقعة : 20 - 21 ] . قوله تعالى : يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) [ 23 ] . قرأه ابن كثير وأبو عمرو : لا لَغْوٌ بالبناء على الفتح ، وَلا تَأْثِيمٌ كذلك لأنها ، لا ، التي لنفي الجنس فبنيت معها ، وهي إن كانت كذلك نص في العموم ، وقرأه الباقون من السبعة لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) بالرفع والتنوين . لأن لا النافية للجنس إذا تكررت كما هنا جاز إعمالها وإهمالها ، والقراءتان في الآية فيهما المثال للوجهين : وإعمالها كثير ، ومن شواهد إهمالها قراءة الجمهور في هذه الآية ، وقول الشاعر : وما هجرتك حتى قلت معلنة * لا ناقة لي في هذا ولا جمل وقوله : يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً : أي يتعاطون ، ويتناول بعضهم من بعض كأسا أي خمرا ، فالتنازع يطلق لغة على كل تعاط وتناول ، فكل قوم يعطي بعضهم بعضا شيئا ويناوله إياه ، فهم يتنازعونه كتنازع كؤوس الشراب والكلام ، وهذا المعنى معروف في كلام العرب . ومنه في الشراب قول الأخطل : وشارب مربح بالكأس نادمني * لا بالحصور ولا فيها بسوار نازعته طيب الراح الشمول وقد * صاح الدجاج وحانت وقعة السار فقوله : نازعته طيب الراح : أي ناولته كؤوس الخمر وناولنيها ، ومنه في الكلام قول امرئ القيس : ولما تنازعنا الحديث وأسمحت * هصرت بغصن ذي شماريخ ميال والكأس تطلق على إناء الخمر ، ولا تكاد العرب تطلق الكأس إلا على الإناء المملوء ، وهي مؤنثة ، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) يعني أن خمر الجنة التي يتعاطاها المؤمنون ، فيها مخالفة في جميع الصفات لخمر الدنيا ، فخمر الآخرة لا لغو فيها ، واللغو كل كلام ساقط لا خير فيه ، فخمر الآخرة لا تحمل شاربيها على الكلام الخبيث والهذيان ، لأنها لا تؤثر في عقولهم بخلاف خمر الدنيا ، فإنهم إن يشربوها سكروا وطاشت عقولهم ، فتكلموا بالكلام الخبيث والهذيان ، وكل ذلك من اللغو . والتأثيم : هو ما ينسب به فاعله إلى الإثم ، فخمر الآخرة لا يأثم شاربها بشربها ، لأنها